12-5-2026 | 16:31

في قلب المكتبة العربية المعاصرة، يبرز كتاب "أسرار الصوت: الرحلة من القلب إلى الكلمة" للكاتبة والإعلامية القديرة مها شهبة؛ كمرجع فكري وعلمي رصين يتجاوز النظرة التقليدية للصوت بوصفه مجرد أداة للتواصل، ليضعه في مكانته المستحقة بوصفه مرآة للهوية وبصمة للروح.

تأخذنا الكاتبة الموهوبة في رحلة استكشافية محبة وعميقة، تمزج فيها بين خبرتها المهنية التي تمتد لأكثر من ربع قرن وبين أحدث النظريات العلمية، لتؤكد أن الصوت هو قدرنا المُفعّل الذي يسبق وجودنا المادي.

يبدأ الكتاب بلمسة ناعمة تضع اليد على الجرح الإنساني الغائر حين ينطق القلب بالصوت الذي فاجأنا باحثاً عن اللحظات التي بدأ فيها الغياب لصالح التكيف الصامت أو الخوف من السخرية؛ حيث تشير مها شهبة ببراعة إلى كيف يتعلم الطفل كبت صراخه، والمراهقة كتم ضحكتها، والرجل كبح رجفة صوته، مما يؤدي إلى تراكم أصوات مؤجلة في حناجرنا لا نجرؤ على إطلاقها!

وتتجلى قيمة هذا الكتاب كمرجع معرفي مهم في استناده إلى أسس علمية رصينة، لاسيما نظرية العصب المبهم؛ حيث توضح الكاتبة بلغة بسيطة كيف يتأثر الصوت مباشرة بحالة الجهاز العصبي، فلا يتحرر الصوت بنبرة دافئة ومنفتحة إلا حين يشعر الجسد بالأمان التام.

وتفرق شهبة بذكاء بين التوصيل الهوائي الذي ينقل أصواتنا للآخرين، وبين التوصيل العظمي الذي ينقل اهتزازاتنا عبر الأنسجة، مفسرة بذلك تلك الغربة التي نشعر بها حين نسمع أصواتنا مسجلة، وكأننا نفتقد تلك النبرة الداخلية التي تربطنا بذواتنا.

إن هذا الكتاب المهم لا يكتفي بالتحليل، بل يقدم خريطة طريق حانية لتحرير الصوت، تبدأ من استعادة الوعي بالجسد عبر التنفس كبوابة للصوت، وفهم ما تفعله الصدمة بالنبرة، ليتجاوز الصوت حدود الجسد مستحضراً ذاكرة أصوات حية مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وصولاً إلى الصوت المهني الحديث في الإعلام.

إنها دعوة محبة لضبط إيقاع الكلام بين النبرة والتنغيم، لكي تستعيد الحناجر حقها في أن تجعل العالم يصغي لها بصدق ودون تزييف. بهذا المؤلف، تقدم مها شهبة للمثقف العربي محتوى يحتفي بالكلمة التي تخرج من القلب، معتبرة أن تحرير الصوت هو في جوهره فعل تحرر إنساني يرمم ما انكسر في علاقتنا بأنفسنا، ويعيدنا إلى جوهر الذات ونبضها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
فاروق حسني.. الاستثناء

ليس من السهل أن تختزل مسيرة فاروق حسني في جائزة.. مهما كانت مكانتها، ولا في منصب.. مهما بلغت أهميته.. فجائزة النيل التي توجت مسيرته ليست سوى اعتراف مستحق