لم تكن الإسكندرية يومًا مجرد مرفأ على خارطة السواحل، بل ولدت لتكون عاصمة "الكوزموبوليتان" الأولى؛ تلك البقعة السحرية التي باركها الإسكندر الأكبر لتصبح وطنًا لكل إنسان في هذا العالم. هنا، في أزقتها وحواريها، ذابت اللغات والأعراق في بوتقة واحدة، فتعانق النبض المصري مع الروح اليونانية، والذوق الإيطالي، والأناقة الفرنسية، لتغزل نسيجًا لا ينتمي لبلد بعينه، بل للإنسانية في أبهى صورها. وفي مطلع القرن العشرين، توهجت هذه المدينة لتستحق لقب "باريس الصغرى" عن جدارة؛ حيث كانت شوارعها تضج برقي فرنسي خالص، وتهمس مقاهيها بأصداء لغة موليير المسرحية الرفيعة، كأنها قطعة نبتت من قلب أوروبا لتستقر في حضن الكنانة.
وفي صباح سكندري أنيق يلفه بحر المتوسط الهادئ نستحضر روح التاريخ الملهمة مجددًا بقدوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ الضيف الذي جاء لا ليقرأ التاريخ، بل ليقلب معنا صفحات الحضارة الإنسانية.
هذا الضيف الذي كلما نظرت إلى سيرته الذاتية تجده لم يعرف يومًا أنصاف الحلول، شق طريقه نحو قمة "الإليزيه" متسلحًا برؤية ثاقبة صقلتها درجاته العلمية الرفيعة في الفكر والسياسة، ليغدو أصغر من قاد فرنسا منذ زمن نابليون.
ولم تكن زيارته محض مصادفة، بل كانت رحلة احتفاء "بجامعة سنجور" الدولية؛ ذلك الصرح الذي يحمل اسم الفيلسوف الشاعر السنغالي ليوبولد سيزار سنجور، أحد أعظم حكماء الفرانكوفونية.
لقد أراد ماكرون أن يؤكد أن هذه الجامعة، التي شيدت في قلب الإسكندرية، هي منارة للعلم وجسر يربط فرنسا بالقارة السمراء عبر بوابة مصر الرائدة، محولًا المتوسط من بحر يفصل بين القارات إلى مساحة تجمع بين العقول والثقافات.
وعلى ضفاف هذا اللقاء، تجلت كيمياء فريدة جمعت بين الرئيس الفرنسي، والقائد المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ تفاهم جاوز لغة البروتوكول ليدخل في عمق الرؤى المشتركة لرجلين يدركان أن استقرار هذا الركن من العالم مرهون بقوة مصر وثباتها.
نعم لقد رأى ماكرون في مصر الركيزة التي يستند إليها أمان المتوسط، ولم يكتف بالسياسة، بل انحنى تقديرًا أمام عظمة التاريخ المصري، معلنا بلسان المثقف أن حضارة مصر هي إرث للبشرية جمعاء، داعمًا وبقوة استعادة الآثار المنهوبة لتعود إلى محرابها الأصيل، شاهدة على عبقرية زمان لا يموت.
لم تغب هذه المشاهد عن عيوننا كما لم تغب عن عيون الصحافة العالمية، التي رأت في جولة ماكرون رسالة دبلوماسية مغلفة بالبساطة الساحرة.
فقد وصفتها "لوموند" بأنها رحلة للبحث عن الجذور، بينما رصدت وكالات الأنباء العالمية مشهد الرئيس وهو يركض في الصباح الباكر على الكورنيش بملابسه الرياضية، بلا أسوار حماية أو حواجز خانقة؛ فكان ركضه فوق رمال الإسكندرية أعظم شهادة "أمان" تمنح للدولة المصرية، ودرسًا في "دبلوماسية الطمأنينة" يخبر العالم أن مصر تمضي نحو غدها بثبات الواثقين.
لم تكن حقًا مجرد زيارة عادية، بل كانت ذوبانًا في روح مدينة لا تشيخ. تنقل الرئيس بين أروقة مكتبة الإسكندرية، إلى مدرسة "سان مارك" العريقة، وظلال قلعة قايتباي الشامخة، ثم انغمس في نبض الشارع بين المنشية ومحطة الرمل وخالد بن الوليد، متلمسًا دفء الناس وبساطة اللقاء.
وقف أمام "آيس كريم عزة" ليتذوق طعم البهجة السكندرية، وقاده الشغف لتذوق سندوتشات الكبدة في زحام المدينة، معلنا أن روح الشعوب تكمن في تفاصيل عيشها البسيط.
غادر إيمانويل ماكرون وفي مسام روحه رائحة اليود، وفي ذاكرته صخب المدينة الحي، ليحمل معه "بصمة ماريا" التي لا تمحى، وصك الأمان المصري الذي لا يقدر بثمن.