إن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تُعَدّ أحد أهم العوامل التي تُعيد تشكيل بيئة الاستثمار في منطقة الخليج العربي، مما يفتح فرصًا ويخلق تحديات. وهذه المواجهة لا تقتصر على بُعدها العسكري، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستقرار الإقليمي لضمان تدفق رؤوس الأموال.
ويرى العديد من الخبراء أن أول ما يقلق المستثمرين في الخليج هو ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية؛ حيث إن اندلاع مواجهات عسكرية أو حتى التهديد بها يجعل المنطقة تبدو غير مستقرة، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استثماراتهم والبحث عن بديل.
ثانيًا، يمثّل تهديد إمدادات الطاقة والممرات البحرية عامل ضغط كبيرًا، خاصة أن منطقة الخليج مرتبطة بشكل مباشر بمضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًّا لنقل النفط والغاز إلى العالم. وفي حال تعطّل هذا الممر مجددًا بسبب الحرب أو التوترات، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل أيضًا إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين ويزيد من تقلبات الأسواق. وهنا لدى مصر ما تقدمه.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج لم تعد التوترات الجيوسياسية مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت عاملاً هيكليًّا يعيد تشكيل اتجاهات الاستثمار العالمية وحركة رؤوس الأموال؛ فحين تصاعدت المخاطر الأمنية والسياسية، تزايدت الحاجة لدى المستثمرين للبحث عن بيئات بديلة أكثر استقرارًا وأقل عرضة للصدمات.
وفي هذا السياق، برز سؤال محوري يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لمصر أن تتحول إلى ملاذ آمن لرؤوس الأموال التي قد تغادر الخليج؟ وأحسب أن مصر مؤهلة، ويراها العديد من الخبراء أنها ملاذ آمن. وأوضحت لي مصادر غربية وعربية عدة في حوارات خاصة أنه "من منظور جيوسياسي، تتمتع مصر بموقع فريد يضعها في نقطة توازن بين مناطق الصراع ومناطق الاستقرار، فهي ليست بمعزل عن التفاعلات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته ليست جزءًا مباشرًا من بؤر التوتر الأكثر حدة".
ويرى هؤلاء أن “هذا الموقع يمنحها ميزة نسبية، خصوصًا عندما يقترن بسياسة خارجية نشطة تسعى إلى تخفيف حدة الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية”. وأكدت مصادر غربية وعربية مطلعة أن “الدور الذي تلعبه مصر في الوساطة وإدارة التوازنات الإقليمية يعزز صورتها كدولة قادرة على التفاعل مع الأزمات دون أن تنزلق بالكامل إلى تداعياتها”.
وبرأي هؤلاء أن “هذه الصورة تُعد عنصرًا مهمًّا في حسابات المستثمرين الذين يفضلون البيئات التي تجمع بين الاستقرار والقدرة على إدارة المخاطر”. وفي الوقت نفسه يشير الخبراء إلى أن الجاذبية الجيوسياسية وحدها لا تكفي، فالتحول إلى ملاذ آمن يتطلب أساسًا اقتصاديًّا قويًّا وسياسات مالية موثوقة. وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة أن مصر تبذل جهودًا ملموسة لتحسين مؤشرات اقتصادها الكلي.
ومن جانبه يقدم محمد قاسم، رئيس جمعية المصدرين المصريين، رؤيته لهذه الفرصة، وخريطة طريق حول مستقبل الاستثمار والتجارة في مصر، وفرصة القاهرة للاستفادة من عملية إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج والتي ستنقل مراكز التصنيع إلى إفريقيا، وحاجة مصر لخطاب جديد مع شركائها التجاريين، ومواجهة العمل على خلق ممرات بديلة لقناة السويس، وتنافسية الصادرات المصرية، وحاجة مصر لأسواق جديدة لمنتجاتها.
ويقدم قاسم -أحد أبرز وجوه القطاع الخاص المثقفة، والذي يملك الخبرات الدولية، وخبرة العمل في أروقة الدولة المصرية- رؤيته لاستفادة مصر من تطورات أزمة إيران والولايات المتحدة، والتحولات الجيوسياسية في العالم، ويؤكد وجود فرص نادرة، وبالطبع تحديات لابد من الاستعداد لها. وأحسب أن النخبة الاقتصادية المصرية مطالبة بتقديم رؤى عملية للإسراع بترسيخ دور مصر على الساحة الدولية.
ومن الأهمية التوقف عند تقييم محمد قاسم للوضع الراهن، وخريطة الطريق للمستقبل التي يقترحها، وأبرزها:
أولاً: الدول العربية شريك تجاري مهم، ولكنها لا يمكن أن تكون بديلًا للأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، نظرًا لمحدودية حجمها السكاني، كما أن التغيرات الجيوسياسية قد تؤثر على طبيعة هذه العلاقات، ونحن حتى الآن لا نستطيع التنبؤ بشكل الخليج بعد انتهاء الحرب.
ثانيًا: أحد أهم التحديات هو مستقبل الممرات البحرية العالمية، خاصة أننا نواجه حاليًّا نوايا غير طيبة في إعادة تشكيل ممرات التجارة الدولية، واتجاه دول كبرى لخلق بدائل لقناة السويس، مثل ممر الهند- الشرق الأوسط (IMEC)، وجوانب من طريق الحرير الصيني، إضافة إلى المسارات الجديدة في القطب الشمالي؛ هذا الاتجاه يتنامى مع الأحداث الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب، هذه التطورات قد تؤثر على حركة التجارة عبر قناة السويس، ما يستدعي دراسة هذه التحولات ووضع سيناريوهات للتعامل معها.
ثالثًا: عملية انتقال وهجرة الصناعات مستمرة بطبيعتها، خاصة الصناعات كثيفة العمالة، مثل الغزل والنسيج والصناعات الغذائية. ومع وصول دول مثل الصين وبعض الدول الآسيوية إلى مستويات تنمية مرتفعة، بدأت هذه الصناعات في الانتقال إلى أسواق تتمتع بتكلفة إنتاج أقل، والانتقال هذه المرة للدول الإفريقية، والصين مثلاً أطلقت مبادرات منها «انطلق للعالم الخارجي» لتشجيع الصناعات على الهجرة.
رابعًا: مصر لديها عمالة منخفضة التكلفة، وهو ما يخلق فرصًا قوية لمصر في الصناعات كثيفة العمالة حتى الآن، مع التحفظ لأن تأثير جمارك ترامب والحروب التجارية والصراعات تجعل المشهد -إنتاجًا وتصديرًا واستيرادًا- في حالة إعادة تشكل مستمرة، وعلينا الاستعداد للتعامل مع ذلك في مصر، وأن يكون لدينا خطاب جديد للشركاء التجاريين للاستفادة من تلك التحولات.
خامسًا: الصادرات المصرية غير البترولية تدور حول 45 مليار دولار، وهو رقم ضئيل لا يعكس إمكانات الاقتصاد المصري، وتستهدف الحكومة الوصول إلى 145 مليار دولار، وهذا يتطلب طفرة ضخمة في الإنتاج الزراعي والصناعي؛ لو افترضنا تصدير 10% فقط من الإنتاج يعني ذلك ضرورة مضاعفة الإنتاج عدة مرات، وهو ما لا يتحقق حاليًّا.
سادسًا: الحل يكمن في تشجيع «الاستثمار من أجل التصدير»، أي جذب استثمارات تستفيد من مزايا مصر التنافسية وتوجه إنتاجها للأسواق الخارجية، بدلاً من الاعتماد فقط على الإنتاج للسوق المحلية المحدودة. لست سعيدًا برقم صادراتنا الذي لا يسهم سوى بـ 8% فقط من الدخل القومي، في الوقت الذي يصل فيه متوسط هذه النسبة للدول العربية إلى 14%، ويصل في المغرب وجنوب إفريقيا إلى 25%، لذلك لابد أن نبتعد عن فكرة إحلال الواردات في المطلق.
سابعًا: دور الدولة ليس قيادة المستثمر أو الوصاية عليه، بل تهيئة بيئة أعمال جاذبة ومحفزة للإنتاج. إن المستثمر إذا رأى فرصة حقيقية للربح سيدخل السوق دون الحاجة إلى توجيه مباشر من الدولة. والبداية الحقيقية بدعم المصانع وتمكينها، لذلك اقترحنا إنشاء صندوق مخصص لتخضير الصناعة، ودوره توعية المصانع بمتطلبات التحول الأخضر، ومساعدتها في تطبيقه فعليًّا. علمًا بأن شهادات الاستدامة والبصمة الكربونية، وما يُسمى «جواز السفر الأخضر» للصادرات، كلها معوقات غير جمركية، تفرضها الأسواق في الدول المتقدمة، وقد تؤثر سلبًا على تنافسية منتجاتنا إذا لم نستعد لها بشكل جيد.
ويبقى في النهاية أن هذه فرصة نادرة يمكن لمصر أن تستفيد منها، وبالقطع هناك دول أخرى تتحرك لانتهازها.