في التاريخ الحديث هناك لحظات تتحول فيها الجغرافيا من مجرد خرائط صامتة إلى قوة خفية تعيد تشكيل السياسة والاقتصاد ومصائر البشر. ومضيق هرمز كان دائمًا واحدًا من تلك الأماكن التي لا يمكن النظر إليها بوصفها ممرًامائيًا عاديًا، وإنما باعتبارها عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح العالم ومخاوفه. فمنذ أن أصبح النفط شريان الحضارة الحديثة، تحول هذا المضيق الضيق إلى ما يشبه نبض الاقتصاد العالمي، فإذا استقرت مياهه هدأت الأسواق، وإذا اضطربت ارتجفت العواصم الكبرى قبل غيرها.
غير أن الحرب الإيرانية كشفت هذه المرة عن حقيقة أكثر عمقَا مما اعتاده العالم. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بالنفط والطاقة، وإنما بما هو أخطر وأقرب إلى حياة الناس اليومية.. إنه الغذاء نفسه.
سلاسل الإمداد
ظل العالم لعقود يتعامل مع هرمز باعتباره بوابة الطاقة الكبرى، لكنه اكتشف متأخرا أن الغذاء أيضًَا يمر من هناك، وأن الأسمدة التي تُطعم حقول العالم تعبر هذا الشريان ذاته، وأن أي اختناق فيه لا يعني فقط ارتفاع أسعار الوقود، بل اهتزاز الأمن الغذائي العالمي بأسره.
وهنا تكمن خطورة المشهد الحالي. فما يجري في الخليج لا يتوقف عند حدود المواجهة العسكرية بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وإنما يمتد إلى "مفاصل" الاقتصاد العالمي الأكثر حساسية، إلى سلاسل الإمداد، وحركة التجارة، وأسعار الشحن، وتكاليف الإنتاج، وكل تلك التفاصيل التي تبدو بعيدة عن المواطن العادي، لكنها تصل في النهاية إلى مائدته اليومية.
بدأت الأزمة، كما يحدث دائماً، من الطاقة. إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز، ومع تصاعد التوتر وإغلاق مضيق هرمز فعليًا، قفزت تكاليف النقل والتأمين والشحن، ثم انتقلت العدوى بسرعة إلى قطاع الأسمدة، وهو القطاع الذي لا يحظى عادة بضجيج السياسة والإعلام، رغم أنه يمثل العمود الفقري الحقيقي للأمن الغذائي العالمي.
شريان الأسمدة العالمي
الزراعة الحديثة لم تعد مجرد أرض ومياه وبذور كما كانت في الماضي، وإنما أصبحت صناعة كاملة تعتمد على الطاقة والأسمدة وشبكات النقل العالمية. ولهذا، فإن أي اضطراب في الخليج لا يبقى محصورًا داخل أسواق النفط، بل يمتد مباشرة إلى حقول القمح والذرة والأرز في مختلف أنحاء العالم.
ولعل أخطر ما في الأزمة أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، بينما تُعد منطقة الخليج أحد أهم مراكز إنتاج اليوريا والأمونيا اللازمتين للزراعة الحديثة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء إلى أعلى مستوياتها خلال 3 سنوات وتعطل الإمدادات، بدأت المخاوف تتجاوز اللحظة الراهنة إلى المواسم الزراعية المقبلة، لأن نقص الأسمدة لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الغذاء، بل انخفاض الإنتاج نفسه.
التضخم يزحف من جديد
إن العالم لا يواجه اليوم أزمة نقص تقليدية، وإنما يواجه ما يمكن وصفه بـ"التضخم الزاحف"، ذلك النوع الأخطر من الأزمات الذي يتحرك ببطء مثل كرة ثلج تكبر كلما تدحرجت؛ فترتفع تكلفة الطاقة، فتزيد تكلفة النقل، ثم ترتفع أسعار الأسمدة، ثم تتضخم تكلفة الزراعة، حتى يصل الأمر في النهاية إلى الخبز واللحوم والزيوت وكل ما يمس الحياة اليومية للبشر.
وفي الدول الفقيرة، لا يصبح الأمر مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل يتحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي. فالخبز هناك ليس مجرد سلعة غذائية، وإنما جزء من التوازن السياسي والاجتماعي. والتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية بدأت من الأسواق الخالية والموائد الفارغة.
ومن هنا تبدو الدول النامية هي الحلقة الأضعف في هذه الأزمة. فبينما تستطيع الاقتصادات الكبرى امتصاص جانبا من الصدمة، تجد الدول الفقيرة نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة معاً، في وقت لم تتعافَ فيه أصلاً من آثار جائحة كورونا أو ارتدادات الحرب الروسية الأوكرانية.
الصدمة الثالثة
ولهذا تبدو الأزمة الحالية وكأنها "الصدمة الثالثة" التي تضرب نظامًا اقتصاديًا عالميًا أنهكته الأزمات المتلاحقة. فالعالم خرج من الجائحة مثقلاً بالتضخم، ثم جاءت حرب أوكرانيا لتربك أسواق الحبوب والطاقة، وها هو اليوم يواجه أزمة جديدة تمس أكثر القضايا حساسية، تتعلق بأمن الغذاء العالمي.
أعادت هذه الحرب التذكير بحقيقة استراتيجية طالما جرى تجاهلها، وهي أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فحسب، وإنما أصبح جزءا من معادلات القوة والنفوذ في العالم. فالقمح لم يعد مجرد محصول، والأسمدة لم تعد مجرد مدخلات إنتاج، بل تحولت كلها إلى أوراق ضغط جيوسياسية تتحكم فيها الممرات البحرية والصراعات الدولية.
سلبيات العولمة
ربما تكشف الأزمة الحالية عن واحدة من أكبر مفارقات العولمة. فالعالم نجح في بناء سوق مترابطة بصورة غير مسبوقة، لكنه فشل في بناء نظام عالمي قادر على حماية هذه السوق من الصدمات السياسية والعسكرية. وهكذا أصبح مصير العالم كله معلقًا على ممر مائي ضيق، إذا اختنق… ارتجفت معه الأسواق، واهتزت موائد البشر، وعاد الجوع ليطل برأسه من جديد، لا باعتباره أزمة إنسانية فقط، وإنما باعتباره تهديدًا سياسيًا واستراتيجيًا للعالم كله.
للتواصل: [email protected]