75 عامًا على قصيدة الشرقاوي

11-5-2026 | 14:34

من أب مصري إلى الرئيس ترومان.. قصيدة عبد الرحمن الشرقاوي مضى على نشرها لأول مرة في مجلة "الثقافة" التي يترأسها الكاتب أحمد أمين قبل 75 عامًا، ولا تزال صرختها مدوية، وهي الأكثر مناسبة لمن يستطيع التوجه بها إلى الرئيس ترامب:

سيدي.. إليك السلام، وإن كنت تكره هذا السلام.. وتغرى صنائعك المخلصين لكي يبطشوا بدعاة السلام.. ولكنني.. سأعدل عن مثل هذا الكلام.. وأوجز في القول ما أستطيع.. فأنت مُعَـنــَّى بشتى الأمور بكل الأمور.. وإني لأعجب لِم صوروك حديد الفؤاد بليد الشعور.. وأعلم أنك تهوى الزهور.. فتنشد ألوانها في الدماء.. وتمشى من الأرض في حيث شئت لتقطف كل زهور الربيع.. فتسحق أوراقها اليانعات وتنثرها فوق أرض الشقاء..وتجرى الدماء، وتبقى الزهور.. ثم يواصل: وأعلم أنك تهوى العطور فتنشر في الأرض عطر العفونة.. وأعلم أنك تهوى الحرير فتطعم - في الوحل - دود الخيانة.. ثم يمضي: بأمرك تضطرب الحادثات وباسمك يمضى ركاب المحن! 

القصيدة العصية على التلخيص والممتنعة على اقتطاع أجزائها الطويلة.. ويقول الشرقاوي: 

فأنت أب.. وكلانا حنون ألست تصون حياة ابنتك فهل تصنع الموت للأخريات.. وإني لأدعوك باسم الأبوة.. باسم الحياة.. وباسم الصغار.. لتعقد حلفًا يصون السلام ويرعى المودة بين الكبار. ثم: لمن تحشد اليوم في السابحات، وفي الغائصات، وفي الطائرات. 

قبل الحرب الحالية، منذ حوالي العام، صرح المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف لقناة "فوكس نيوز" بأن "ترامب هو شرطي العالم".. وقلنا هذا اعتراف مهم، ولكن اتضح أنه أمر هين لأن الأمر تجاوز ما يمكن أن يقوم به "الشرطي" من أدوار. والقصة ليست فقط الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لكن العالم في تدهور مستمر منذ مجئ الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض: أزمة مالية عالمية، تراجع تاريخي في التعاون الدولي، حروب اقتصادية وتجارية، وقيود غير مسبوقة على حركة التجارة العالمية، أبرزها سلاح الجمارك لتهذيب وإصلاح الدول التي لا تنسجم مع التوجهات الأمريكية.

وفي الوقت الذي تحدث فيه ويتكوف عن وظيفة بلاده "شرطي العالم" بدأت واشنطن استهداف طهران، وهدد الرئيس ترامب الشركاء التجاريين لإيران عبر منصته: أي دولة أو فرد يشتري أي كمية من النفط أو البتروكيماويات من إيران سيخضع لعقوبات ثانوية فورية".كل ذلك حدث قبل اندلاع الحرب، ولكنه لم يقف عند هذا الحد، بل تطور لخدمة الخريطة الإسرائيلية الجديدة للشرق الأوسط. 

وتستطيع ان تجد تعاطف البيت الأبيض مع إسرائيل، عند كل مرحلة، من تدمير غزة إلى احتلال اجزاء من سوريا، إلى اكتساح جنوب لبنان، وضرب كل شيء في إيران. وبخلاف الاتصال اليومي بين رئيس الحكومة الإسرائيلية نيتانياهو والرئيس ترامب، فإن نيتانياهو يقوم بين حين وآخر، وبشكل غير مسبوق، بزيارة واشنطن ليحصل على موافقة باستئناف القتال على أي جبهة من الجبهات، وتخرج التصريحات، ليس بمنع الهجوم الإسرائيلي، إنما بعدم المبالغة فيه. 

ولقد حذر جورج واشنطن المؤسس، وهو يودع البيت الأبيض، من أي ارتباط عاطفي بالدول الأجنبية. حسبما جاء في كتاب "الارتباط العاطفي" للدبلوماسي الأميركي جورج بول وابنه دوجلاس. وللأسف اتسع الارتباط إلى نفوذ أسطوري، بل يزداد مع كل إدارة. ونلاحظ أنه لم يكن كذلك قبل 70 عامًا.. فقد قال وزير الخارجية الأمريكي في حرب السويس 1956 جون فوستر دالاس لمؤيدي إسرائيل في مجلس الشيوخ: إننا لا نقبل أن تصنع سياساتنا الخارجية في تل أبيب.. هذا أيام الرئيس إيزنهاور الذي تحدى اللوبي الإسرائيلي. 

ولكن من بعده جون كينيدي وتعهده بتأييد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني،وحل مشكلة اللاجئين. لكنه غير رأيه بضغوط أصدقاء إسرائيل، لدرجة ان يتعهد لجولدا مائير بمساعدة إسرائيل اذا تعرضت لهجوم. 

وتتطور الارتباطات في زمن الرئيس جونسون حيث اندلعت حرب 1967، وباتت الولايات المتحدة المورد الرئيسي للأسلحة والداعم الأكبر سياسيا واقتصاديا، والضامن لعدم تعرض إسرائيل لأي عقاب. وتعهد جونسون بضمان تفوق إسرائيل العسكري على العرب مجتمعين، مع غض الطرف عن خطط إسرائيل النووية. بينما تتوعد واشنطن بمحو إيران بسبب مزاعم بأنها خصبت كمية من اليورانيوم، تصلح لصنع أسلحة نووية فيما بعد. وفي كتاب جورج بول الصادر في التسعينات، فإن واشنطن قبلت باحتلال إسرائيل الأراضي العربية في عام 67، ثم يأتي الرئيس ترامب في فترته الأولى لينقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. 

والساسة الكبار في الولايات المتحدة يخشون العقاب الفوري اذا ما قالوا كلمة قد تكون نقدا لإسرائيل، وجرب كثيرون أنفسهم، مثل السياسي الشهير وليام فولبرايت، الذي هاجم الكونجرس في حديث تليفزيوني عام 1973، لأنه واقع تحت نفوذ الإسرائيليين، وأن مشكلة الإسرائيليين أنهم لا يقبلون خمسين بالمئة من التأييد، إنما يصرون على مائة بالمائة. ففشل فولبرايت في انتخابات الشيوخ في العام التالي، ليعتزل العمل السياسي ويتفرغ لتأليف الكتب.

قصيدة الشرقاوي ارتبطت بالحرب الكورية التي اندلعت ما بين عامي 1950 و1953.. والرئيس هو ترومان، الذي أمر بإسقاط القنبلتين النوويتين على هيروشيما ونجازاكي، ولم يشعر يوما بالندم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: