11-5-2026 | 14:47

ما من شك في أن الإسرائيليين يجيدون، وبمهارة فائقة، ترويج سرديتهم الباطلة والزائفة التي تظهرهم في ثوب الضحية المغلوب على أمره، والوديع، والساعي للعيش في سلام ووئام مع جيرانه. ويتلقف هذه السردية الإعلام الغربي والأمريكي، الذي يتكفل بنشرها على أوسع نطاق.

جزء من تلك السرديات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإشهار إسرائيل سيف "معاداة السامية" في وجه من يجرؤ على انتقادها، ولو تلميحًا، ويفضح جرائمها وبشاعتها في حق الفلسطينيين وغيرهم.

ويكفي هذا الاتهام لإنهاء المسيرة المهنية والسياسية لصاحبه، مهما علا شأنه، حتى يكون عبرة لمن حوله ولمن يأتي بعده. كما تواصل إسرائيل ابتزاز العالم بذنب ما فعلته النازية باليهود في أربعينيات القرن العشرين.

عمليًا، تنخرط إسرائيل، بمباركة من حكومتها اليمينية المتطرفة، في حملات ممنهجة ومتعمدة لمعاداة الأديان. فالذين يتحدثون – الإسرائيليون - عن معاناتهم من الاضطهاد والتمييز على أساس ديني، يستهدفون معتنقي الأديان الأخرى بصور فجة وقبيحة وعنيفة، دون أن تجرؤ وسائل الإعلام الدولية - باستثناء القليل منها - على تغطيتها وتفنيدها وتجريمها، أو تتخذ حيالها الهيئات الدولية مواقف وإجراءات عملية مؤثرة يُعتد بها وتسهم في الحد منها أو وقفها.

وفي حوزتنا من الأدلة والشواهد الكثير، منها إقدام مستوطن إسرائيلي على دفع راهبة فرنسية من الخلف بقوة في مدينة القدس المحتلة، لتقع على وجهها، دون سبب سوى ارتدائها ملابس الراهبات المسيحيات. وخلال عام 2025 وحده، سُجل 61 اعتداءً على رجال دين مسيحيين أو أشخاص يحملون رموزًا دينية مسيحية، بالإضافة إلى توثيق 52 اعتداءً على ممتلكات كنائس، بما فيها المقابر التابعة لها، في القدس المحتلة وداخل الخط الأخضر. فضلًا عن بصق المستوطنين على مداخل الكنائس، وفرض قيود على الشعائر الدينية المسيحية، ومحاولات اقتحام وتخريب كنيسة القيامة.

وأثناء الحرب الإسرائيلية الجائرة على غزة لأكثر من عامين، دُمرت الكنائس الثلاث الرئيسية في القطاع، من بينها كنيسة "القديس برفيريوس"، التي تُعد واحدة من أقدم كنائس العالم، إلى جانب كنيسة "العائلة المقدسة".

وساد الغضب العارم الأوساط المسيحية بالشرق الأوسط وخارجه، عندما نشرت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا صورًا لجندي إسرائيلي في جنوب لبنان يحطم تمثالًا للسيد المسيح دون أي اعتبار ولا اكتراث لرمزيته وقيمته لدى المسيحيين. واكتفت حكومة "نتنياهو" المتطرفة ببث فيديو لرئيس الوزراء، وخلفه مجموعة من الجنود قال إنهم مسيحيون يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويدافعون عن البلاد، حتى يمتص موجات الغضب العارم بين المسيحيين.

بالعودة إلى الحرب على غزة، تكشف إحصائيات وبيانات وزارة الأوقاف الفلسطينية أن 966 مسجدًا دُمِّرت كليًا أو جزئيًا خلالها، ومن أبرزها المسجد "العمري الكبير"، أكبر وأقدم مساجد القطاع، البالغ عددها 1200 مسجد. ولا يتوقف وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف "بن غفير" عن محاولاته الإجرامية المتكررة لاقتحام المسجد الأقصى لأداء طقوس دينية يهودية فيه، ومنع المصلين من دخوله، خاصة يوم الجمعة.

وقبل ذلك وبعده، العمليات الإرهابية التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون في بلدات ومدن الضفة الغربية، من استيلاء على أملاك الفلسطينيين ومنازلهم، وتخريب خطوط مياه الشرب التي يستفيد منها آلاف الفلسطينيين. والغالبية العظمى من هذه الجرائم موثقة بالصوت والصورة، حيث يتفاخر بها المستوطنون ويتداولونها على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي بلا حياء ولا خجل.

وارجعوا إلى عدد الفتاوى الصادرة عن كبار الحاخامات الإسرائيليين، التي تبيح وتشرعن قتل الفلسطينيين، بما فيهم الأطفال والرضع، وطردهم من بيوتهم، ومصادرة مزارعهم وسياراتهم وكل ما يخصهم، حتى لو كانت عنزة صغيرة. وكيف لا، ونحن نرى أن الإسرائيليين منذ البداية خاضوا حرب غزة على أرضية دينية وليست عسكرية. وأبلغ دليل على ما سبق ما قاله جندي إسرائيلي يشارك في عملية عسكرية في الضفة الغربية، إنه جاء في مهمة مقدسة للانتقام من الفلسطينيين وتشريدهم، وهو ما يعبر بجلاء عما يتم تلقينهم به من قبل قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يصفه "نتنياهو" بأنه يتسم بأخلاقيات ومبادئ رفيعة وإنسانية لا مثيل لها!

كل هذا يتم تحت سمع وبصر الحكومة الإسرائيلية، التي تغض الطرف عنه بحجة أن تلك أراضٍ وأملاك الدولة الإسرائيلية، بينما الحقيقة الناصعة أنها تشجع وتدعم معاداة أصحاب الديانات السماوية بوضوح لا تخطئه العين. ثم ترفع صوتها بالاحتجاج على زيادة ما تصفه بحوادث معاداة السامية والهجمات ضد اليهود بالقارة العجوز والولايات المتحدة، دون أن تدرك جرم ما تفعله وبشاعته، وأنها تتغنى بشعارات لا تمت بصلة إلى أرض الواقع.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مصر بوابة إفريقيا

نجحت الدولة المصرية في تعويض سنوات الغياب الطوعي عن إفريقيا، التي بدأت منتصف التسعينيات من القرن العشرين إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وسدت بإحكام