الطاقة.. غروب لا يختفي وشمس لا تغيب (2-2)

10-5-2026 | 12:46

رحلة الطاقة من الحالة التقليدية الحالية؛ كالفحم والبترول والغاز، إلى مدار الطاقة المتجددة النظيفة "الذكية" مرت بمراحل عديدة حتى وصلنا إلى ما نحن فيه، وهو الاعتماد المتبادل لكليهما.

فقد بدأت الرحلة عبر استخدام الطاقة العضلية للإنسان، ثم النار، ثم الرياح، وبعدها استُخدمت قوة المياه، ثم طاقة الأنعام، ثم جاء الفحم وبعدها ظهر النفط، حتى اهتدى الإنسان إلى الطاقة الأم: "الطاقة الشمسية".

وسعي الإنسان نحو الابتكار والتطوير، أوجزه العالم البريطاني ستيفن هوكينج في كتابه "تاريخ موجز للزمن - A Brief History of Time" عبر رحلة علمية لشرح الطاقة وعلاقتها بنشأة الكون، فيقول: "كل ثانية ترسل الشمس إلى الأرض طاقة تكفي كل الكوكب لمدة سنة، ثانية واحدة من الإشعاع مقابل عام من الإضاءة، والتمثيل الضوئي خير دليل، وبعد ذلك تحولت النباتات والأشجار إلى فحم وبترول وغاز طبيعي، وهو ما نطلق عليه الطاقة التقليدية أو الوقود الأحفوري الذي نعاني منه الآن، أما الحلول المنقذة فهي العودة إلى الشمس".

وأطلق أحمد زكي يماني، وزير البترول السعودي الأسبق، تعبيراً مهماً فقال: "العصر الحجري لم ينتهِ لقلة الحجارة، وعصر النفط سينتهي قبل أن ينضب النفط". 

ويظل الإبداع البشري هو الحاسم مقارنة بتوافر أو نقص الموارد، أي إن البقاء ليس للأقوى بقدر ما هو للأذكى؛ لتبدأ الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح والبيوجاز، والهيدروجين الأخضر، في فرض أهميتها كبدائل اقتصادية، يضاف إليها الضغوط البيئية والالتزامات المناخية، فالتحولات المفصلية لتطور الحضارة الإنسانية يدفعها التطور والإبداع إلى الأمام.
وتزامن التسارع والتحول للطاقة المتجددة من قبل المجتمع المدني والحكومة معاً، فمع انطلاق مبادرة "تيراميد - TERA Med" لدعم الانتقال العادل للطاقة المتجددة في منطقة المتوسط، بادرت الحكومة بتكثيف الدعم المحفز للقطاع عبر كفاءة استخدام الموارد وتشجيع الابتكار. وفي هذا الإطار، تشير القراءات الفنية للمكتب العربي للشباب والبيئة والشبكة العربية "رائد" إلى أن التوجه الحالي يعكس مساراً استراتيجياً بإطلاق مبادرات تحفيزية تستهدف تشجيع القطاعين الصناعي والسكني لتبني حلول الطاقة النظيفة، مما يمثل تحولاً مهماً في إدارة ملف الطاقة، كما أوضح المنسق العام للشبكة د. عماد الدين عدلي، مبيناً أن التوجهات الحكومية لتعزيز استخدام الطاقة الشمسية في الصناعات كثيفة الاستهلاك تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية التحول اللامركزي في إنتاج الطاقة.

وأسفرت النقاشات والمبادرات التي يضطلع بها المجتمع المدني في مجال البيئة والتنمية المستدامة عن طرح قضايا الطاقة النظيفة ومشاريع الرياح للنقاش الموسع، كما ظهر خلال الورشة التشاورية للإعلاميين التي عُقدت في بورسعيد؛ نظراً لموقعها الجغرافي المتميز عند التقاء قارتي أفريقيا وآسيا وشمال قناة السويس، حيث تتوفر الموارد الطبيعية من شمس ورياح ومياه؛ والهدف هو دعم حملة "تيراميد" الإقليمية وصولاً لإنتاج 1 تيرا واط من الطاقة النظيفة خلال السنوات الخمس القادمة.

إن نجاح هذا القطاع يرتبط، كما يوضح د. ماجد كرم محمود المدير الفني للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، بقدرة الحكومة على تقديم سياسات محفزة تقلل من المخاطر الاستثمارية، وتقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات تمويلية، بما يسهم في تحويل قطاع الطاقة من مجال عالي المخاطر إلى فرصة استثمارية مستقرة وجاذبة.

وبالرغم من تفاؤل رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة المهندس أيمن هيبة للوصول إلى قدرات إنتاجية عالية، إلا أنه تفاؤل حذر؛ حيث يتخوف من إنشاء شركة قطاع عام لمحطات الطاقة المتجددة في المحافظات تبيع الكهرباء للمستثمرين كخطوة استباقية قبل إقرار نظام "P2P" (بيع الطاقة المباشر من القطاع الخاص)، وهو ما قد يتعارض مع قانون إنشاء سوق تنافسية ومع وثيقة ملكية الدولة التي تنص على تخارج الدولة من الاقتصاد، ويخشى المهندس هيبة أن يؤدي ذلك إلى عرقلة طموحات المستقبل.

وعلى صعيد نشر الوعي، تشير د. عزة شعبان، مدير وحدة الطاقة المتجددة بالشركة القابضة لكهرباء مصر، إلى أهمية الثقافة الطاقية وتبسيط المعلومات المتعلقة بكفاءة الأجهزة الكهربائية للمواطنين، حيث اتجهت الشركة لإنشاء إدارات متخصصة لترشيد الطاقة وتقديم الدعم الفني والإرشادي، بما يسهم في نشر ثقافة الاستهلاك الرشيد ودعم أهداف الدولة في خفض الانبعاثات وتعزيز الاستدامة.
لاشك أن قطاع الطاقة في مصر، الرسمي والمدني، أصبح اليوم أكثر إدراكاً بأهمية توسيع مشاركة الطاقة في الاقتصاد، ولعل هذا القطاع يتجاوز المواقف الضبابية، كما حدث عند وقف العمل بنظام "صافي القياس" للطاقة الشمسية، ما يهدد الطاقة الخضراء من المحطات الصغيرة والمتوسطة. ومع توافر الإرادة السياسية وحماس المجتمع المدني، يظل الأمل قائماً في أن تجني الشبكة القومية ملايين الأطنان من الوقود المكافئ، وتحقيق هدف 42% من الطاقة المتجددة بحلول 2030.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: