لبنان على خطى غزة

10-5-2026 | 11:32

واهمٌ من يعتقد أن ما تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان من إبادة ممنهجةٍ وعمليات تدمير مخططةٍ لكل أشكال الحياة هو بسبب حزب الله، ويتمادى في وهمه من يرى أن إسرائيل يمكن أن تمنح الدولة اللبنانية سلاماً في مفاوضات ترعاها أمريكا، والتي من المزمع انطلاقها خلال أيام.

إسرائيل بقيادة مجرم الحرب نتيناهو تدخل هذه المفاوضات ولديها هدف وحيد ومعلن وهو نزع سلاح حزب الله، وزرع الفتنة وبذور الاقتتال بين أبناء الشعب اللبناني؛ فهي ترى أنه لتحقيق هدف نزع سلاح حزب الله يتوجب على الحكومة اللبنانية التحالف والتعاون معها ضد حزب الله لتجريده من سلاحه، وهي تعلم أن هذا التحرك سيضع لبنان على فوهة بركان حرب أهلية لا يعلم أحد تداعياتها على هذا البلد الذي يعاني منذ عقود ويلات الحروب والانقسامات والاستقطابات الداخلية والإقليمية.

إسرائيل تدخل تلك المفاوضات التي وصفت بالتاريخية؛ لأنها الأولى بين الطرفين وهي تحتل 10% من مساحة لبنان بعد أن توغلت خلال عدوانها الأخير في عمق 10 كيلومترات وبطول 150 كيلومتراً جنوب نهر الليطاني، وقامت بتشييد نقاط عسكرية على جغرافيا هذه المساحة التي تضم 55 قريةً، وقامت بأكبر عملية تدمير وتهجير لنحو مليون مواطن وإبادة لكل أوجه الحياة في هذه المناطق كما فعلت في غزة تماماً، وحددت ما تسميه الخط الأصفر كحدٍ فاصلٍ، ويحظر على أحد من اللبنانيين تجاوزه وإلا يتم قتله.

إسرائيل تدخل هذه المفاوضات مدفوعة بأيديولوجيا استعمار؛ هو فكر صهيوني متطرف للاستحواذ على الأراضي بزعم إنشاء مناطق آمنة أو عازلة، وكأنها هي الضحية وليست قوة احتلال مغتصبةً للأراضي والثروات منذ أن تم زرعها في المنطقة. فقد اتبع هذا الكيان الصهيوني المحتل سياسة القتل والتدمير بعد هجوم السابع من أكتوبر، وقام بما رأيناه من تدمير وإبادةٍ في غزة، واحتل نصف مساحة القطاع ولم تتوقف حتى اليوم عمليات القتل والتجويع والحرمان للسكان من أبسط حقوقهم في الحياة الآدمية عبر إقامة منطقة عازلة تمنع دخول كل سبل الحياة للمواطنين، وهكذا يفعل في الضفة الغربية وفي جنوب سوريا باحتلال جبل الشيخ وأقام منطقة عازلة اتخذ منها مرتكزاً للقيام بعمليات عسكرية في العمق السوري.

في المقابل، تدخل الدولة اللبنانية تلك المفاوضات دون إجماع وطني وتحت النار؛ ورغم وجود هدنة إلا أن إسرائيل لم تتوقف يوماً عن الضرب والقتل والتدمير في لبنان حتى وصلت باستهدافها إلى بيروت العاصمة؛ مما يضع الحكومة اللبنانية في موقف محرج، وهي التي ترى في هذه المفاوضات فرصة ربما تخرج لبنان من مأزق خطير يهدد وحدته، وتسترد من خلالها زمام القيادة والسيطرة للدولة بعد أن بات قرار الحرب في يد حزب الله المدعوم من إيران.

هذه المشهدية المخيفة تضع لبنان أمام مرحلة فاصلة وتحديات جسام تهدد وجود الدولة ووحدة وسلامة أراضيها، وفي توقيت بالغ الخطورة؛ حيث لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عما يحدث من تطورات في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي لا شك ستكون لها ارتداداتها ومآلاتها على المنطقة ولبنان في القلب منها.

ويقيناً أن هذه التطورات تلقي على الدولة اللبنانية ومكوناتها وطوائفها مسئوليةً وطنيةً للحفاظ على ما تبقى من هذا البلد الشقيق، والحذر من الانزلاق إلى هوة الخلافات والصراعات الداخلية التي -لا قدر الله- قد تتطور إلى حرب أهلية سيكون المستفيد الأول منها هو الكيان المحتل الذي سيتخذ منها ذريعة لمزيد من الاحتلال وبث سموم الفرقة بين أبناء الشعب اللبناني. ويخطئ من يثق في الولايات المتحدة التي تقدم نفسها راعياً لما تسميه مفاوضات السلام بين لبنان وإسرائيل، بينما يؤكد تاريخها كوسيط مع إسرائيل أنها لا تؤتمن؛ فهي وسيط غير نزيهٍ حين تكون إسرائيل طرفاً، واتفاق غزة يشهد عليها، بل ويقدم دليل إدانتها في هذه المفاوضات؛ حيث أكدت مجريات الأحداث تواطؤها مع إسرائيل في عدم الانسحاب من غزة حتى اليوم رغم أنه نص ملزم في الاتفاق، كما تواطأت أيضاً في عدم البدء في إعمار غزة وإدخال المساعدات، رغم أن ترامب بنفسه أنشأ ما سماه "مجلس السلام العالمي" زاعماً أنه يتولى الإشراف على إعادة الإعمار وإحلال السلام بالمنطقة، وهو ما لم يحدث ولن يحدث.

الخلاصة: إسرائيل تقود أمريكا وتسيطر على قراراتها، وفي ظل عصابة المتطرفين الذين يحكمون إسرائيل حالياً وتحركهم دوافع غيبية تلمودية لن يتحقق السلام المزعوم لا مع لبنان ولا سوريا ولا فلسطين؛ بل على العكس سوف تزداد أطماع وطموحات وأوهام هذا الكيان الصهيوني في أراضي الدول العربية التي تقع في نطاق ما تسميه "إسرائيل الكبرى"، ولبنان إحدى الحلقات الضعيفة التي تحركوا فيها بعد غزة.. فلا تجعلوا لبنان يسير على خطى غزة!!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة