هناك زيارات قصيرة في زمنها لكنها طويلة في معناها، تُقال فيها الرسائل قبل الكلمات، وتصل دلالاتها قبل صدور البيانات الرسمية؛ هكذا بدت زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. زيارة لم تستغرق سوى ساعات، لكنها حملت في توقيتها ما يكفي لفهم جزء كبير مما يجري في المنطقة.
في هذا العالم المضطرب، لم تعد اللقاءات السياسية تُقرأ فقط من خلال ما يُعلن، بل من خلال التفاصيل الصغيرة التي يظن البعض أنها عابرة؛ فلكل خطوة معنى، ولكل صورة رسالة.
المنطقة اليوم ليست في ظرف عادي؛ فالشرق الأوسط يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكاً منذ سنوات: حرب مفتوحة للسرديات، توتر عسكري متصاعد، هجمات متبادلة، خطاب سياسي محتقن، ومحاولات مستمرة لإعادة رسم خرائط النفوذ والخوف والتحالفات. وفي وسط هذا المشهد، جاءت الزيارة لتقول إن هناك دولاً لا تزال تؤمن بفكرة الدولة الوطنية المستقرة، وأن الفوضى حين تخرج من حدودها لا تعترف بالجغرافيا.
ولعل العبارة الأهم في الزيارة لم تكن بياناً دبلوماسياً معقداً، بل جملة مباشرة قالها الرئيس السيسي: "ما يمس الإمارات يمس مصر".
في السياسة، بعض الجمل تُقال للحضور الإعلامي، وبعضها يتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة. أما هذه الجملة فكانت تعبيراً صادقاً عن طبيعة علاقة بين دولتين تربطهما جذور ممتدة من العلاقات التاريخية القائمة على المحبة والثقة، بعيدة عن الصورة التقليدية للعلاقات السياسية؛ علاقة لم تُبنَ يوماً على لغة الصفقات أو الحسابات العابرة، بل على أخوة ومودة تشكلت عبر الزمن، وثبّتها الوفاء في المواقف الصعبة. هناك شيء بين مصر والإمارات يتجاوز البروتوكول والسياسة، ويقترب أكثر من معنى القرب الإنساني بين شعبين شقيقين. ولهذا، حين تقف الإمارات إلى جانب مصر أو تقف مصر إلى جانب الإمارات، لا يبدو المشهد حدثاً سياسياً عابراً، بل انعكاساً طبيعياً لعلاقة رسّخها الود والاحترام والذاكرة المشتركة.
ولعل أكثر ما منح هذه العلاقة خصوصيتها أنها لم تُختبر فقط في لحظات الهدوء والدبلوماسية، بل في أصعب التحولات التي مرت بها المنطقة خلال العقد الأخير؛ فقد وجد البلدان نفسيهما في خندق واحد أمام موجات الفوضى والتنظيمات التي حاولت إعادة تشكيل الشرق الأوسط خارج إطار الدولة الوطنية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة المتفرعة عنها. بالنسبة للقاهرة وأبوظبي، كانت المعركة تتعلق بفكرة الدولة نفسها؛ بين مشروع يؤمن بالمؤسسات والاستقرار والتنمية، ومشاريع قامت على استغلال الدين وتفكيك المجتمعات وتحويل الفوضى إلى أداة نفوذ.
كانت هناك قراءة مبكرة لطبيعة الخطر الذي واجه المنطقة. وما يبدو اليوم موقفاً واضحاً لدى كثير من دول العالم تجاه خطر هذه التنظيمات، لم يكن كذلك قبل سنوات، حين كانت أبوظبي والقاهرة من أوائل العواصم التي حذّرت من خطورتها، بينما كانت أطراف دولية لا تزال تنظر إليها باعتبارها تياراً سياسياً يمكن احتواؤه. لكن السنوات اللاحقة دفعت كثيراً من الدول، وفي مقدمتها أمريكا، إلى إعادة النظر في هذا التصور، وتصنيف جماعات وفروع مرتبطة بالإخوان والتنظيمات المتحالفة معها كتنظيمات إرهابية ومتطرفة، في تحول عكس إدراكاً متأخراً لطبيعة الخطر الذي حذّرت منه القاهرة وأبوظبي مبكراً، ودفع البلدان ثمن الدفاع عنه سياسياً وإعلامياً لسنوات.
التاريخ العربي مليء بتحالفات انهارت مع تغيّر المصالح، لكن العلاقة بين مصر والإمارات تشكلت وسط إدراك مشترك بأن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس سقوط الحكومات فقط، بل سقوط فكرة الدولة نفسها، حين تتحول الأوطان إلى ساحات مفتوحة للميليشيات والفوضى والولاءات العابرة للحدود.
ولهذا، حين تتعرض الإمارات لهجمات أو تهديدات، لا يُنظر إلى الأمر في القاهرة باعتباره أزمة تخص دولة خليجية بعيدة جغرافياً، بل تنظر إليه (بدلاً من "له") باعتباره صراع نماذج: نموذج يريد بناء دولة حديثة مستقرة، تستثمر في الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية والانفتاح، ونموذج آخر يعيش على تصدير الأزمات، وتغذية الفوضى، وإدارة المنطقة عبر التوتر المستمر.
ما حدث عبر تلك الزيارة كان رسالة ضد حالة التشوش التي أصابت بعض الخطابات العربية في الفترة الأخيرة؛ ففي الوقت الذي يحاول فيه البعض إعادة تسويق مشاريع الفوضى باعتبارها "انتصارات"، جاءت الزيارة لتعيد تعريف الأولويات الحقيقية: الأمن، الاستقرار، التنمية، وحماية الدولة الوطنية؛ لأن الشعوب لا تعيش على الشعارات.
ولأن السياسة الحديثة لا تُقرأ فقط من خلف الطاولات المغلقة، جاءت تحركات الزيارة نفسها محمّلة برسائل سريعة ومباشرة؛ فالجولة التي جمعت الرئيسين في "مول جزيرة ياس" لم تكن مجرد جولة بروتوكولية عابرة، بل رسالة تقول إن الإمارات تمارس الحياة بثقة كاملة، وأن الدولة التي تُستهدف بالفوضى تردّ عليها بالحياة الطبيعية والاستقرار والانفتاح. كانت صورة مزدحمة بالناس، بالحركة، بالاقتصاد، وبفكرة أن الأمن الحقيقي لا يظهر في البيانات العسكرية فقط، بل في ثقة المجتمع في قيادة توفر له الشعور بالأمان حتى مع أصوات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
أما زيارة مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، فقد حملت رسالة مختلفة تماماً؛ رسالة تقول إن التضامن العربي لا يُقاس بالخطب، بل بالحضور الفعلي والاستعداد المشترك لحماية الاستقرار. كانت لحظة تختصر المعنى الحقيقي لما يربط بين القاهرة وأبوظبي، أن الأمن لم يعد شأناً محلياً ضيقاً، بل مسئولية مشتركة في منطقة تعرف جيداً ثمن الانهيار.
الإمارات خلال السنوات الأخيرة تحولت إلى نموذج لافت في المنطقة؛ دولة تعرضت لتحديات أمنية وسياسية وإعلامية متكررة، لكنها أصرت على أن تواصل البناء في الوقت الذي كان غيرها منشغلاً بإدارة الخراب. وربما لهذا السبب تحديداً أصبحت هدفاً دائماً لحملات الاستهداف؛ لأن النجاح المستقر في منطقة مضطربة يتحول أحياناً إلى استفزاز للمشاريع التي لا تعيش إلا داخل الفوضى.
وربما هنا تحديداً تكمن الفكرة الأعمق في الزيارة كلها: أن المنطقة، رغم كل ما يحدث، لا تزال تملك فرصة للنجاة إذا انتصرت فيها فكرة الدولة على فكرة الفوضى؛ لأن أخطر ما يهدد الشرق الأوسط اليوم ليس الصواريخ وحدها، بل انهيار المعنى نفسه، أن تفقد الشعوب ثقتها في الاستقرار، وأن يتحول الخراب إلى مشهد معتاد.
لهذا بدت زيارة السيسي إلى الإمارات أكبر من مجرد زيارة أخوية؛ كانت في جوهرها إعلاناً سياسياً وفلسفياً عن أن هناك دولاً تؤمن بأن التنمية ليست ترفاً، وأن الاستقرار ليس ضعفاً، وأن حماية الإنسان أهم من صناعة الشعارات.
كلمة أخيرة: كتب الشاعر والفيلسوف الإنجليزي جون دون عام 1624 في تأملاته الشهيرة "تأملات في لحظات المصير" الكلمات التي استعارها لاحقاً الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي عنواناً لروايته الأشهر "لمن يُقرع الجرس": "لا أحد جزيرة قائمة بذاتها، كل إنسان جزء من القارة، جزء من الكل… إذا جرف البحر حفنة تراب، تصغر أوروبا… لذلك لا تسأل لمن يُقْرَعْ الجرس، إنه يُقرع لك".
وبعد أربعة قرون، وفي عالم عربي أنهكته الحروب والسرديات المتصارعة، بدت عبارة الرئيس السيسي وكأنها الصياغة السياسية الحديثة للحقيقة الإنسانية نفسها: "ما يمس الإمارات يمس مصر".