حالة من القلق غير المسبوقة على الصعيدين المحلي والإقليمي أحدثتها توجهات أمنية وسياسية تتبعها الحكومة اليابانية الحالية برئاسة تاكايتشي ساناي، إضافة إلى إثارة جدل داخلي متصاعد بخصوص ما يتردد عن نهاية "عصر ما بعد الحرب".
تحت عنوان "اليابان عند مفترق طرق" بموقع نيبون دوت كوم، سأل البروفيسور بجامعة طوكيو ساكييا شيرو: "هل يعني القضاء شبه الكامل على القوى التقدمية في انتخابات مجلس النواب أن عصر ما بعد الحرب قد انتهى بشكل لا رجعة فيه"؟
أجاب قائلاً: "النهاية التي لا رجعة فيها لعصر ما بعد الحرب العالمية الثانية لن تتحقق على الأرجح إلا عندما يتم حسم مسألة تعديل المادة التاسعة التي لا تزال تشكل أساس الشرعية السلمية؛ بالتالي فإن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة لا تمثل بحد ذاتها نهاية عصر ما بعد الحرب، لكنها قد تكون -بالفعل- بداية النهاية".
من جانبها، أعربت صحيفة "أساهي" عن اعتقادها بأن اليابان تخلت -بكل أسف- عن سياستها السلمية، و"اختارت بدلاً منها تسريع إعادة تسليح وعسكرة البلاد، وتقوم حكومة تاكايتشي -دائماً- بتزيين رفضها للسلوك السلمي بالأكاذيب المختلقة"!
وفقاً لما نقله موقع روسيا اليوم RT عن الصحيفة: "تواصل حكومة تاكايتشي خداع مواطنيها، وصب السم في العسل بشأن ضرورة بناء قدرات الردع لكي تصبح اليابان قادرة على الاستجابة للتغييرات الجذرية في المجال الأمني، ولمواجهة مدى خطورة صواريخ كوريا الشمالية، وقرب التهديد الروسي، فضلاً عن أزمة محتملة قد تحدث في تايوان بسبب الصين؛ وهو ما سيمثل -حتماً- كابوساً لليابان"!
رئيسة مجلس الوزراء اليابانية كانت قد طلبت من لجنة خبراء محلية وضع مقترحات فعالة لتعزيز القدرات الشاملة لليابان، ومراجعة الوثائق الأمنية الرئيسية الثلاث، بما فيها استراتيجيات: الأمن القومي، والدفاع الوطني، وتعزيز القدرات الدفاعية.
أكدت تاكايتشي أن مراجعة الوثائق الثلاث -التي ستؤثر على مصير الأمة- أمر مهمٌّ؛ لأن اليابان تواجه -الآن- عدداً من التحديات الصعبة، تحديداً بعد أن دخل العالم حقبة مضطربة، مما يستدعي ضرورة أن تعمل طوكيو -بطريقة استباقية- لتعزيز القدرات الدفاعية بشكل جذري، وكذلك تعزيز القوة الوطنية الشاملة، وتنسيق نقاط قوتها: الدبلوماسية والدفاعية والاقتصادية والتكنولوجية، لحماية سلامة واستقلال البلاد.
في ضوء الدروس المستفادة من حربي أوكرانيا وإيران، طالبت تاكايتشي بضرورة التصدي لأشكال الحروب الجديدة بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا المتقدمة، وتجديد أسس الصناعات الدفاعية، وتحسين القدرة الأمنية البحرية، وتعزيز الأمن الاقتصادي، والاستعداد لحالة طوارئ محتملة طويلة الأمد.
وفقاً للدستور الصادر عام 1947، تنبذ اليابان الحرب كوسيلة لحل النزاعات، كما تنبذ امتلاك جيش خاص بها. وبموجب معاهدة الأمن اليابانية-الأمريكية، تعتمد طوكيو أمنياً على واشنطن من خلال نشر القواعد الأمريكية في الأراضي اليابانية.
وزير خارجية ودفاع اليابان الأسبق، كونو تارو، دعا إلى اعتماد طوكيو بشكل أقل على المساعدات العسكرية الأمريكية، مؤكداً ضرورة إنشاء تحالف دفاعي قد يجمع اليابان مع كوريا الجنوبية وسنغافورة وأستراليا والفلبين، وربما حلف الناتو لاحقاً.
رداً على تقليص عدد القوات الأمريكية في ألمانيا، صرح كونو -وهو قطب برلماني من الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم- بأن طوكيو وضعت عبئاً كبيراً جداً على واشنطن، وتحتاج إلى خطة للدفاع الجماعي؛ لأنه لا توجد دول أخرى -عدا الولايات المتحدة والصين وروسيا- لديها القدرة على ضمان الدفاع عن نفسها ذاتياً.
ضمن التغييرات الجذرية في السياسات الأمنية، أقرت حكومة تاكايتشي تخفيف القيود على تصدير الأسلحة الفتاكة، مما أثار القلق لدى جانب معتبر من الرأي العام الياباني، خشية الإضرار بتاريخ السلمية الراسخة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في الوقت نفسه، يجادل مؤيدو هذا التحول في سياسة تصدير الأسلحة بأن ذلك سيزيد من دمج طوكيو في سلسلة التوريد الدفاعية الدولية، وسيعمق العلاقات الدفاعية والدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الشريكة، في ظل تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي، وتحديداً في مواجهة الحشد العسكري الصيني وتهديدات كوريا الشمالية.
تندرج القواعد الجديدة في إطار التخفيف التدريجي للحظر العام المفروض عام 1976. وكانت اليابان تصدر الذخائر والمعدات العسكرية لتعزيز اقتصادها، خصوصاً خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، لكنها تبنت حظراً مشروطاً على صادرات الأسلحة عام 1967، ثم حظراً تاماً بعد عقد، وفي عام 2014، فتحت الطريق أمام تصدير خمس فئات من المنتجات العسكرية غير الفتاكة.
تاكايتشي حاولت طمأنة مواطنيها بقولها: "إن التزامنا بالمسار منذ أكثر من 80 عاماً كأمة مسالمة لم يتغير، وسنلتزم بأطر الرقابة الدولية على الصادرات، وسنجري مراجعات أكثر صرامة لكل حالة على حدة، وسيقتصر المستفيدون على البلدان التي تلتزم باستخدام المعدات بطريقة تتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة".
ورأت أن من شأن هذه الخطوة التاريخية تعزيز الدفاع الوطني وقطاع صناعة الأسلحة اليابانية كمحرك للنمو الاقتصادي، وقالت: "حتى الآن كان نقل المنتجات النهائية المصنعة محلياً إلى الخارج يقتصر على البحث والإنقاذ والنقل والمراقبة ومكافحة الألغام، لكن مع هذا التعديل سيصبح نقل كل المعدات الدفاعية ممكناً من حيث المبدأ، كما أن ازدياد خطورة الوضع الأمني يجعل أي دولة اليوم غير قادرة على الحفاظ على سلامها وأمنها بقواتها وحدها، وفي مسائل المعدات الدفاعية هناك حاجة إلى دول شريكة قادرة على تقديم دعم متبادل".
أيضاً، وضمن التغييرات في السياسات الأمنية، ذكرت صحيفة "يوميوري" أنه تم وضع خطة لتعديل مسميات الرتب العسكرية لإضفاء طابع رسمي على قوات الدفاع الذاتي التي تعمل كجيش فعلي، ومواءمة مسمياتها مع الجيوش التقليدية.
ترددت المخاوف من أن هذا التعديل قد يكون بداية؛ فإذا نجحت اليابان في الحصول على اعتراف بقوات الدفاع الذاتي كجيش رسمي، ثم انتقلت لاحقاً إلى تعديل الدستور لكي تنص فيه على وجود جيش بشكل صريح، فإن ذلك سيمهد الطريق أمام اليابان للتحول إلى دولة قادرة على شن حروب لأول مرة منذ حوالي 80 عاماً.
تبقى الإشارة إلى أن الصين انتقدت بشدة التحولات في السياسات الأمنية والدفاعية اليابانية، أما شركاء اليابان في الولايات المتحدة وأستراليا وغيرها فقد أبدوا ترحيباً واسعاً، فيما أثيرت العديد من ردود الفعل المتنوعة بدول جنوب شرق آسيا.
[email protected]