من برج العرب.. القاهرة وباريس تكتبان فصلاً جديداً

10-5-2026 | 11:07

كانت مدينة برج العرب الجديدة أمس على موعد مع السياسة في أرقى تجلياتها. تراجعت ملفات الإسكان والصناعة قليلاً إلى الخلف، وتقدم إلى الواجهة مشهد مختلف: الرئيس عبدالفتاح السيسي يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام المقر الجديد لجامعة سنجور.

المشهد يتجاوز افتتاح مبنى جامعي. من يتابع تفاصيل اللقاء يدرك أننا أمام لحظة محسوبة بدقة، عنوانها أن العلاقة المصرية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة، وأن التعليم صار إحدى أدوات الدبلوماسية المؤثرة.

لماذا برج العرب؟ ولماذا جامعة سنجور؟ اختيار المكان ليس عفوياً. برج العرب الجديدة واحدة من مدن الجيل الرابع التي تراهن على العلم والصناعة والتكنولوجيا. وجامعة سنجور تحمل إرثاً فرنكوفونياً عريقاً بدأ في الإسكندرية، وهي تنتقل اليوم إلى مقر يعكس طموحاً أكبر. الجمع بين المدينة والجامعة يبعث برسالة واضحة: مصر تبني، ومصر تنفتح، ومصر تختار شركاءها بعناية.

فرنسا ليست ضيفاً عابراً. هي شريك له حضور ثقيل في ملفات الطاقة والتسليح والنقل والتعليم. ومصر بالنسبة لباريس ليست سوقاً فحسب، بل بوابة إلى أفريقيا، وعنصر توازن في شرق المتوسط، ودولة مستقرة في إقليم مضطرب. حين يلتقي رئيسان في حرم جامعي، فالمعنى أن الاستثمار في العقول أصبح يوازي الاستثمار في المشروعات الكبرى.

وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس كان في استقبال الرئيس الفرنسي لدى وصوله المقر الجديد للجامعة، حيث تم التقاط صورة تذكارية بهذه المناسبة، أعقبها عقد جلسة مباحثات موسعة بين الرئيسين بحضور وفدي البلدين. وأشار السفير محمد الشناوي إلى أن الرئيس رحب بزيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر، مشيراً إلى أنها تعكس تميز علاقات الصداقة المصرية الفرنسية، ومشيداً بما تشهده العلاقات من تطور ملحوظ في مختلف المجالات، خاصة عقب ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر في أبريل 2025. كما شدد الرئيس على أهمية مواصلة العمل لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والصناعة والنقل، بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين الصديقين، ويسهم في دفع العلاقات الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي.

قد تبدو الإشارة إلى الصورة التذكارية إجراءً بروتوكولياً، لكن السياسة كثيراً ما تُقرأ في التفاصيل. الابتسامة، وطريقة الوقوف، وحضور الوفدين، كلها إشارات يفهمها المتابعون قبل صدور البيان الختامي. والترتيب هنا منطقي: تأسيس للود أولاً، ثم مناقشة الملفات.

أكد الرئيس السيسي أن الزيارة دليل جديد على التطور السريع في العلاقات، وأنها ارتقت منذ أبريل 2025 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. و"الشراكة الاستراتيجية" ليست تعبيراً إنشائياً؛ فهي تعني تنسيقاً في المواقف الدولية، واتفاقات طويلة المدى، وإدراك كل طرف لمصالح الطرف الآخر عند اتخاذ القرار.

منذ ذلك التاريخ نشهد حراكاً حقيقياً: جامعات فرنسية تفتح فروعاً لها، وشركات تشارك في مشروعات القطار الكهربائي والمونوريل، وتعاون في مجالات الهيدروجين الأخضر، وتنسيق مستمر في ملفات غزة وليبيا والسودان. نحن إذن أمام مسار له مردود ملموس، وليس مجرد عبارات دبلوماسية.

يُلاحظ في زيارة أمس كون التعليم ركيزة لترابط جديد: الربط المباشر بين السياسة والتعليم. فرنسا تمتلك منظومة تعليم عالٍ مرموقة عالمياً، ومصر تمتلك قاعدة شبابية واسعة تتطلع إلى المعرفة الحديثة. جامعة سنجور الجديدة ليست اسماً فقط، بل وعد بأن يحصل الخريج المصري على تعليم بمعايير دولية، وشهادة معترف بها في الفضاء الفرنكوفوني والأوروبي.

هذا النوع من التعاون أكثر استدامة من المساعدات وأبقى من القروض؛ لأنه يصنع جيلاً من الخبراء والمهندسين والإداريين الذين يجيدون اللغتين ويفهمون الثقافتين. وهؤلاء هم الضمانة الحقيقية لاستمرار العلاقة بغض النظر عن تبدل الحكومات.

أما ما تريده القاهرة من علاقتها بفرنسا، فهي تبحث عن شريك تكنولوجي لا يرهقها بشروط سياسية، ويرى في استقرارها مصلحة مباشرة له. تريد توطين الصناعة، ونقل المعرفة، وفتح أسواق أفريقية عبر البوابة الفرنسية. أما ما تسعى إليه باريس من علاقتها بمصر، فهو إيجاد حليف قوي في منطقة تعيد تشكيل خرائطها، والبحث عن موطئ قدم ثقافي واقتصادي في أفريقيا، وضمان أمن الطاقة والملاحة في المتوسط.

حين تتطابق المصالح على هذا النحو، يصبح الحديث عن متانة العلاقات توصيفاً للواقع لا شعاراً للاستهلاك. من أجل هذا يمكن القول إن التحالف المصري الفرنسي يمر اليوم بأفضل مراحله، لأنه تحالف يقوم على المصالح الواضحة لا على العواطف المؤقتة.

ثلاث رسائل من برج العرب: الرسالة الأولى للداخل المصري: الدولة تتحرك في مسارات متعددة، لا تكتفي بمحور واحد، بل تبني شبكة علاقات متوازنة تمنح القرار الوطني هامشاً أوسع للحركة.

الرسالة الثانية للإقليم: مصر لا تزال العنوان الأهم لأي قوة دولية تريد فهم الشرق الأوسط. لا يمكن تجاوز دورها، ولا يمكن اختزال المنطقة في طرف آخر.

الرسالة الثالثة لفرنسا: الرهان على مصر رهان رابح؛ دولة تلتزم بتعهداتها، وجيشها متماسك، ومؤسساتها فاعلة، وشعبها يرى في التعليم طريقاً للعبور نحو المستقبل رغم التحديات الاقتصادية.

التفاؤل لا يعني تجاهل التحديات. الشراكات الإستراتيجية تُختبر في الأزمات، وتُقاس بقدرتها على إدارة الخلافات. هناك تباين في الرؤى أحياناً حول بعض القضايا، لكن الدول الناضجة تعرف أن التوافق التام غير واقعي. الحكمة هي تعظيم المساحات المشتركة وحسن إدارة نقاط الاختلاف.

ما جرى في برج العرب أمس هو استثمار ذكي في المشترك؛ رهان على أن قاعة المحاضرات قد تكون أكثر تأثيراً من قاعة المؤتمرات، وأن الخريج الذي سيدرس في جامعة سنجور اليوم قد يصبح بعد سنوات هو المسئول الذي يحمي هذه العلاقة ويطورها.

زيارة الرئيس ماكرون لم تكن للصور التذكارية فقط؛ كانت إعلاناً عملياً أن القاهرة وباريس قررتا الانتقال من مرحلة الصداقة التقليدية إلى مرحلة المستقبل المشترك. مستقبل سيُكتب جزء منه باللغة الفرنسية، داخل مدرجات جامعة مصرية، على أرض مدينة مصرية جديدة.

وهذه هي السياسة في صورتها الأكثر نضجاً؛ سياسة لا تشيد الجدران، بل تبني الجامعات. لا تراهن على صفقات عابرة، بل على عقول الأجيال القادمة.

من برج العرب بدا واضحاً أن مصر اختارت أن تكون بوابة، وأن فرنسا اختارت أن تعبر من خلالها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: