في حرب إيران.. هل انتصر أحد؟

9-5-2026 | 13:28

هاجم الرئيس الأمريكي الصحافة المحلية لأنها شككت في روايته عن الانتصار، مؤكدًا أن تدمير سلاحَي البحر والجو وعدد من المنشآت العسكرية يكفي لإثبات النتيجة.

لكن هل تُقاس الحروب بهذه البساطة، وهل تدمير قدرات الخصم دليل كافٍ على تحقيق النصر؟

يمكن الحكم على نتيجة أي حرب بأربعة أسئلة بسيطة:

هل تحقق الهدف؟ هل سيدوم الأثر؟ هل تغيّر سلوك الخصم؟ وهل كانت الكلفة أقل من العائد؟

أولًا: هل تحقق الهدف المُعلن؟

لعل السؤال الأهم هو : ماذا كان الهدف؟

في البداية، طُرح الهدف باعتباره تغيير النظام وتحرير الشعب الإيراني. ثم تحول إلى “استسلام غير مشروط”. ثم إلى “صفر تخصيب”. ثم إلى مطالب تتعلق بمضيق هرمز. ثم عودة إلى شروط تقنية مرتبطة باليورانيوم.

نحن إذن أمام سلسلة أهداف متحركة، تتبدل خلال مسار الحرب، بحيث لا يعود هناك هدف ثابت يمكن قياس النجاح عليه.

وحين يُبرَّر النصر بما تم من إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية للخصم، يبرز سؤال مشروع: هل كان هذا هو الهدف الحقيقي منذ البداية؟

ثانيًا: هل سيدوم الأثر؟

قد تُحدث الحرب أثرًا ملموسًا في لحظتها، لكن السؤال الحقيقي: هل يبقى؟

التاريخ يُخبرنا أن:

القدرات العسكرية يمكن إعادة بنائها

البرامج التقنية يمكن استئنافها

والتوازنات تعود غالبًا بصيغ جديدة

وبالتالي، فإن الأثر - مهما بدا قويًا - قد يكون مؤقتًا بطبيعته، إذا لم يتحول إلى واقع سياسي مستقر.

ثالثًا: هل تغيّر سلوك الخصم؟

التغيير الحقيقي لا يُقاس بحجم الضربة، بل بما يليها.

وما نراه حتى الآن هو استمرار التفاوض، لكن بشروط مختلفة، وربما بسقوف إيرانية أعلى.

وهناك سؤال آخر حاضر:

إلى أي مدى كشفت المواجهة عن قدرات لم تكن مُقدّرة بدقة؟

فبعض المؤشرات تشير إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تكن هامشية، بل عنصرًا فرض نفسه في معادلة الردع.

أما التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز والحديث عن السيطرة عليه، فقد أعاد طرح سؤال مختلف: هل تُقاس موازين القوة فقط بما دُمّر، أم أيضًا بما كُشف من عناصر قوة لم تكن ظاهرة؟

رابعًا: هل كانت الكلفة أقل من العائد؟

تشير التقديرات إلى كلفة عسكرية باهظة من الجانب الأمريكي، تجاوزت المليار دولار يوميًا، وربما أكثر بكثير إذا أُخذ في الاعتبار تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم.

لكن الكلفة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.

هناك كلفة أخرى أقل ظهورًا، لكنها أكثر تأثيرًا: الكلفة الأدبية.

عندما تتبدل الأهداف، ويتباعد الخطاب عن الواقع، تتآكل المصداقية—وهي ليست قيمة معنوية مجردة، بل أصل استراتيجي حاسم.

ولعل التحذير الأخلاقي الذي عبّر عنه بابا الفاتيكان الأسبق فرنسيس—بأن المال المتولد من تجارة السلاح “مخضب بالدماء”—لا يُقرأ كوعظ ديني، بل كتذكير بأن:

الكلفة الإنسانية ليست هامشًا في حسابات الحرب، بل جزء من جوهرها.

وقد تكرر المعنى ذاته في خطاب البابا الحالي، حين قال إن الله لا يستمع لصلوات من يشنون الحروب—في إشارة إلى الفجوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية.

ما بين النتيجة وصناعة القرار

يبقى سؤال لا يقل أهمية حاضرًا:

إلى أي مدى لعب الحلفاء الإقليميون دورًا في دفع الولايات المتحدة نحو قرار الحرب؟

وهل بُني القرار على تقديرات داخلية خالصة، أم تأثر بشبكة معقدة من الضغوط والتوقعات؟

هذا السؤال لا يقدّم إجابة جاهزة، لكنه يكشف أن الحرب ليست دائمًا نتاج حساب واحد، بل محصلة توازنات متعددة.

ما بين النتيجة والرواية

حين نعيد طرح الأسئلة الأربعة، لا نجد إجابات حاسمة بقدر ما نجد تباعدًا بين الرواية والواقع: أهداف تتبدل. آثار مؤقتة. سلوك ازداد تشددًا وتشبثًا بمواقفه. وكلفة—مادية وأدبية—يصعب تبريرها

وهنا تبرز حقيقة غالبًا ما تُغفل:

ليس كل ضرر يُلحق بالخصم انتصارًا.

وفي عالم تُقاس فيه القوة بقدرتها على تحقيق الاستقرار، لا مجرد إحداث الأثر، يصبح السؤال ليس من انتصر، بل:

ماذا بقي بعد أن انتهى القتال؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: