الرابحون من الحرب

9-5-2026 | 12:36

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن حرب إيران الأخيرة ستسجل كأغرب وأهم حرب معاصرة بعد الحرب العالمية الثانية.. ليس لشيء إلا لنتائجها الهائلة خلال مدتها المحدودة.. 

أربعون يوماً وتوابعها المسماة "هدنة"، جاءت كزلزال عنيف رجَ المنطقة رجاً. فإذا بها ليست هي هي كما تعودناها: فلا الخليج هو الخليج، ولا إيران هي إيران، بل ولا العالَم هو نفسه الذي كان قبل الحرب، فما الذي حدث؟!!
كيف آلت الأوضاع إلى ما نحن فيه الآن، أمريكا مرتبكة، والخليج متفكك، وإيران صامدة، وإسرائيل تراقب القادم في رعب.. 

ثم بعد كل هذا نكتشف أن الرابحين من الحرب ليسوا هم بالضرورة أطرافها، بل إن ثمة أفراس سوداء ربحت فى الظل ما لم تربحه أمريكا تحت النار..

مخالب التنين
بدت بكين وسط معمعة الحرب كلاعب شطرنج يراقب خصومه يستنزف بعضهم بعضاً، بينما يحصي هو الأرباح الجاهزة لحرب لم تمس ثوبه! الصين لم تدخل الحرب، ولم ترسل حاملات طائرات، ولم تتورط في خطابات نارية صاخبة.. غير أنها باتت الطرف الدولي الأكثر استفادة من اللاعبين الأساسيين كلهم..

أول المكاسب الصينية كان اقتصادياً بامتياز؛ فالعقوبات والحصار والحرب دفعت إيران إلى بيع نفطها بأسعار مخفضة، لتبقى الصين المشتري الأكبر والأكثر استعداداً للمجازفة، وتشير تقديرات أمريكية إلى أن بكين وفّرت مليارات الدولارات سنوياً عبر شراء الخام الإيراني عالي الجودة بأسعار أقل كثيراً مما هو متداول في السوق العالمية! وهنا تكمن المفارقة؛ كلما اشتدت الضغوط على إيران، ازدادت حاجتها إلى الصين.. وكلما ازدادت عزلة طهران، فتحولت بكين إلى المنفذ شبه الوحيد؛ وهكذا لم تعد العلاقة بين الطرفين مجرد تعاون اقتصادي بل علاقة ضرورة إستراتيجية لكليهما. 

ثم إن الصين استطاعت بناء احتياطيات نفطية ضخمة، إذ أنها، بخلاف أوروبا، امتلكت قدرات هائلة على التخزين والالتفاف على القرارات الأمريكية المحجمة لحركة السفن. أكثر من هذا أنها عززت مركزها كمستورد للطاقة بشروط أفضل؛ حيث النفط يباع باليوان الصيني، وهو ما يهيئ الأسواق مستقبلاً لنظام بديل للبترودولار..

سياسياً بدت الصين وكأنها أعادت تدوير الإستراتيجية الأمريكية نفسها التي استخدمتها واشنطن ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، استنزاف الخصم بعيداً عن آسيا الشرقية؛ فكل صاروخ أمريكي في الخليج ينتزع من بحر الصين الجنوبي. وكل انخراط عسكري جديد في الشرق الأوسط يؤخر أمريكا أمام الصين خطوات.. لهذا تعاملت بكين مع الحرب بوصفها فرصة جيوسياسية نادرة لن تتكرر؛ حيث تنفق أمريكا المليارات وتستهلك ذخيرتها، وتنضغط داخلياً ودولياً، بينما الصين تظهر بمظهر "القوة العاقلة" التي تدعو للحوار والتهدئة! 

بالطبع الصين لم تكن طرفاً محايداً في الحرب؛ فطبقاً للتقارير الغربية دعمت بكين طهران بأسلحة وأنظمة ملاحة ورادارات ومعلومات استخباراتية، غير أن العبقرية الصينية كمنت فيما يمكن تسميته: "الحد الأدنى للتدخل"؛ إنها لا تريد سقوط إيران، كما لا تريد الانجرار لمواجهة مباشرة مع واشنطن.. تريد طهران قوية بما يكفي لإرباك الأمريكيين، وضعيفة بما يكفي لتظل مفتقرة للصين!

وفيما يخص الفضاء الإعلامي والدبلوماسي؛ استغلت الصين أخطاء الغرب؛ إذ ظهرت واشنطن كطرف مؤجج للصراع، فيما حرصت بكين على تقديم نفسها وسيطاً محتملاً يدعو للاستقرار وحماية التجارة العالمية. هذا الخطاب وجد صداه في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بعد أن اتسعت الشكوك تجاه السياسات الأمريكية.. 

وبهذا الدور، فإن الحرب خدمت المشروع الصيني الأكبر من خلال إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس تعددية قطبية تُضعف الهيمنة الغربية.

إنها ليست لاعباً أساسياً فى المعركة؛  إلا أن الصين باتت الأكثر استغلالاً لها؛ فهي تكسب نفطاً أرخص، وتستنزف خصمها الأمريكي، وتجرب شبكات مالية بديلة، وتوسع نفوذها السياسي في العالم النامي، وتظهر بمظهر القوة الهادئة التي لا تتورط مباشرة في الفوضى.. 

وبينما تنشغل واشنطن بإدارة الحرائق الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، تبدو الصين كمن يبني، بصبر وجلَد، ملامح نظام جديد يخرج ببطء من تحت الرماد!

حظ القيصر
بوتين كان طرفاً ثالثاً يدير المعركة من منطقتها المعتمة، ويراقب الخرائط الجيوسياسية وهي تتغير لصالحه، والريح وهي تبدِّل اتجاهاتها لتواتي سفينته.. 

موسكو لم تدخل الحرب مباشرة، ولم تتحول لحليف عسكري صريح لطهران، لكنها أيضاً لم تكن بعيدة عن المشهد؛ فمنذ سنوات، تشكلت بين روسيا وإيران شراكة الضرورة: دولتان معاقَبَتان من الغرب، تواجهان العزلة نفسها، وتحاولان بناء نظام مواز للهروب من الهيمنة الأمريكية.. وجاءت الحرب لتمنح هذه العلاقة عمقاً جديداً وفرصاً غير متوقعة.. ثمة تقارير غربية عديدة أكدت أن موسكو وطهران وسعتا تعاونهما العسكري والتقني منذ اندلاع الأزمات الإقليمية الأخيرة، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيرة والدفاع الجوي..  

اقتصادياً، كانت روسيا أكثر الدول استفادة من توترات الحرب؛ فكل تهديد لمضيق هرمز، وكل ارتفاع في أسعار النفط، يعني تلقائياً زيادة الإيرادات الروسية، ثم إن الحرب الإيرانية سحبت جزءاً كبيراً من اهتمام العالم بعيداً عن أوكرانيا، والغريب أن أوروبا وجدت نفسها مفتقرة لروسيا ونفطها بنفس قدر افتقارها للصين بعد أن سحب ترامب يده من الناتو.. أكثر من هذا أن روسيا أدركت أن الحرب أضعفت تماسك الغرب فى مواجهة الحلف الشرقي.. 

فالعالَم متعدد الأزمات أفضل كثيراً لموسكو من عالَم يتفرغ فيه الغرب لمجابهة روسيا.. لذا تحركت فى إطار فلسفة "الفوضي الخلاقة"؛ بإبقاء التوتر للحد الذي يحقق المصلحة فحسب.. 

الورقة الرابحة
حرب إيران تحولت بين يوم وليلة إلى حرب خرائط وممرات ومفاتيح جغرافية، وفي قلب هذه الخرائط برَز اسم صغير نسبياً بحجمه هائل بخطورته وتأثيره هو "مضيق هرمز"؛ ذلك الشريط البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات في بعض مناطقه، تحول بعد الحرب إلى ما يشبه "القلب النابض" للاقتصاد العالمي، وإلى الورقة الأثمن التي رفعت مكانة إيران الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة! 

قبل الحرب، كان الحديث عن إغلاق المضيق يُطرح كتهديد نظري أو ورقة دعائية تستخدمها طهران بين الحين والآخر، لكن الحرب الأخيرة غيرت المعادلة تماماً.. فمع تصاعد الضربات والتوترات البحرية والهجمات المتبادلة، اكتشف العالَم أن إيران لا تحتاج فعلياً لإغلاق كامل للمضيق كي تربك الأسواق الدولية؛ بل يكفي مجرد التلويح بالخطر أو استهداف محدود للملاحة، حتى ترتفع أسعار النفط وتقفز تكاليف التأمين والشحن للضعف! 

المفارقة الكبرى أن الحرب التي كان يفترض أن تضعف إيران، ساهمت عملياً في رفع قيمتها الجيوسياسية. الحرب كشفت أيضاً هشاشة النظام النفطي العالمي القائم منذ عقود؛ فالعالم الذي بني اقتصاده الحديث على التدفق الآمن للطاقة وجد نفسه فجأة رهينة ممر بحري صغير قد يتحول إلى ساحة مشتعلة خلال ساعات! والمشكلة الأكبر أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها؛ فمهما تعددت البدائل، سيظل مضيق هرمز لسنوات طويلة أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة العالمية.. 

وبهذا تحول مضيق هرمز إلى ما يشبه "التاج الجيوسياسي" فوق رأس الدولة الإيرانية؛ الورقة التي تجعل العالم كله مضطراً إلى ترقب قرارات طهران بحذر! 

وإيران، مهما اختلف العالم حولها، نجحت بعد الحرب في إثبات أنها تمسك بأحد أكثر الأعناق حساسية في النظام الدولي المعاصر!

المملكة كقوة كبرى
رغم ما تعرض له الخليج من ضربات كرد فعل للهجمات الأمريكية الكاسحة ضد إيران، إلا أن الدولة الوحيدة التي حافظت على رسوخها ومكتسباتها في الخليج هي السعودية.. 

فقد خرجت المملكة من الحرب وهي تبدو مختلفة عما كانت عليه قبلها، ليست أقوى عسكرياً بالمعنى التقليدي فقط، ولا أكثر ثراءً فحسب، بل أكثر نضجاً سياسياً وواقعية وبراجماتية.. فالحرب التي هزت المنطقة لم تدفع الرياض إلى الاندفاع نحو المواجهة المفتوحة كما توقع كثيرون، بل اتجه قادتها لإعادة تعريف مفهوم القوة ذاته.. 

لقد أدركت السعودية، ربما أكثر من أي وقت مضى، أن الشرق الأوسط الجديد لم يعد يحتمل سياسات الصدام الكلاسيكية، وأن البقاء في قلب العاصفة يحتاج للمرونة بقدر احتياجه للردع.. 

فالهجمات الحديثة لم تعد بحاجة لجيوش جرارة؛ بل إن بضع طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة الكلفة قادرة على تهديد منشآت نفطية عملاقة وإرباك الاقتصاد العالمي خلال ساعات.. 

وهذه الحقيقة دفعت السعودية للتفكير بمنطق جديد، كيف تتحول من دولة تعيش داخل مناخ الصراع الدائم، إلى دولة تحمي مشروعها التنموي مهما اشتعل الإقليم من حولها؟ وهكذا بدأت تتشكل عقيدة سعودية مختلفة، تقليل التوترات قدر الإمكان، وعدم الانجرار لحروب استنزاف طويلة، والتركيز على حماية الاقتصاد والتحول الداخلي. 

لقد تحولت السياسة السعودية من خطاب المواجهة الصلبة إلى خطاب إدارة التوازنات، دون التخلي الكامل عن أدوات الردع. ثم إنها لم تعد تراهن بالكامل على حليف واحد؛ فالعلاقة مع الولايات المتحدة لا تزال إستراتيجية، لكنها لم تعد حصرية؛ ولهذا بدأت السعودية تنسج شبكة علاقات أكثر تنوعاً: شراكات مع الصين، وتفاهمات مع روسيا، وانفتاح اقتصادي واسع على آسيا..

بهذا الفهم، ندرك كيف أن المستقبل سيرسخ بقاء المملكة كقوة اقتصادية وسياسية هي الأكبر والأهم فى منطقة الخليج، بعد إعادة رسم خرائط النفوذ بعد الحرب..
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة