في ظل التصعيد العسكري والتوترات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة على خلفية الحرب الإيرانية وتداعياتها الممتدة، تكثف مصر تحركاتها السياسية والدبلوماسية تجاه دول الخليج العربي، انطلاقًا من رؤية ثابتة تعتبر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي.
وخلال الأيام الأخيرة، برز هذا التوجه بوضوح من خلال التحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو الخليج، التي عكست مستوى التنسيق العميق بين القاهرة والعواصم الخليجية في مواجهة التطورات المتسارعة التي تهدد استقرار المنطقة.
فقد جاءت زيارة الرئيس السيسي، أمس، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ولقاؤه مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في توقيت بالغ الحساسية، حمل رسائل سياسية واضحة تؤكد تضامن مصر الكامل مع الأشقاء في الخليج، ورفض أي تهديد يمس أمنهم أو استقرارهم.
وخلال المباحثات، شدد الرئيس السيسي على أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، مؤكدًا رفض القاهرة للاعتداءات التي استهدفت سيادة الإمارات ومنشآتها الحيوية، واعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي وتصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المنطقة والعالم. كما تم التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق السياسي بين البلدين، وتكثيف الجهود لاحتواء التصعيد عبر الحلول السياسية والدبلوماسية، لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، عكست الزيارة قوة ومتانة العلاقات المصرية الإماراتية، مما دحض كافة الشائعات و محاولات التشكيك. فالواقع العملي يؤكد أن العلاقات بين القاهرة وأبوظبي تجاوزت الإطار التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تقوم على الثقة المتبادلة وتطابق الرؤى في عدد كبير من الملفات الإقليمية.
ويظهر ذلك بوضوح في حجم التنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين، حيث تُعد الإمارات أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، بينما تمثل مصر ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي بالنسبة للإمارات ودول الخليج، فضلًا عن الدور المتبادل في دعم الاستقرار ومواجهة التحديات المشتركة.
كما أن استمرار التواصل المباشر بين القيادتين يعكس طبيعة العلاقات الخاصة بين البلدين، والتي تقوم على فهم عميق لمتطلبات الأمن الإقليمي والمصالح المشتركة، وهو ما ظهر بوضوح في توقيت الزيارة الأخيرة وما حملته من رسائل تضامن قوية.
وبعد ساعات من زيارة الإمارات، توجه الرئيس السيسي إلى سلطنة عُمان، في إطار تحرك مصري مكثف تجاه العواصم الخليجية الرئيسية، بما يعكس إدراك القاهرة لحساسية المرحلة الراهنة وما تحمله من تطورات متسارعة.
وتحمل زيارة سلطنة عُمان أهمية خاصة، في ضوء الدور العُماني المعروف في دعم التهدئة والحوار الإقليمي، وهو ما يتسق مع الرؤية المصرية التي تركز على خفض التوتر وفتح قنوات سياسية تمنع توسع دائرة الصراع في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في إطار سياسة مصرية ممتدة تقوم على دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، مع رفض أي تدخلات أو سياسات من شأنها زعزعة أمن المنطقة أو تهديد سيادتها.
ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية والتصعيد المرتبط بها، كثفت القاهرة اتصالاتها مع قادة دول الخليج، إدراكًا منها لحجم المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، وما قد يترتب عليها من تداعيات واسعة.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن طبيعة العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تربط مصر بدول الخليج، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتكشف الأرقام حجم هذا التقارب، إذ تجاوز عدد زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دول الخليج منذ عام 2014 أكثر من 40 زيارة، شملت الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان، وهو ما يعكس مركزية البعد الخليجي في السياسة الخارجية المصرية.
وتأتي الإمارات في مقدمة الدول الخليجية التي زارها الرئيس، حيث تجاوز عدد زياراته إليها أكثر من 20 زيارة رسمية وأخوية، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية والتنسيق المستمر بين القاهرة وأبوظبي.
كما تمثل السعودية محورًا رئيسيًا في العلاقات المصرية الخليجية، نظرًا لثقلها السياسي والاقتصادي، ودورها في الملفات الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة والقضية الفلسطينية.
وفي ظل التوترات الحالية، تدرك مصر أن استمرار التصعيد ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خاصة مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ومن هنا، تواصل القاهرة نهجها القائم على الجمع بين دعم أمن الخليج والدعوة إلى التهدئة، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه عبر المواجهات العسكرية، بل من خلال الحلول السياسية والحوار واحترام سيادة الدول.
كما تواصل مصر دورها في دعم القضية الفلسطينية والجهود الإنسانية في غزة، بالتوازي مع تحركاتها لاحتواء الأزمات الإقليمية الأخرى، بما يعكس رؤية شاملة تهدف إلى حماية الأمن العربي ومنع تفاقم الصراعات.
وفي المجمل، تؤكد التحركات الأخيرة أن العلاقات المصرية الخليجية انتقلت إلى مستوى متقدم من الشراكة الاستراتيجية الشاملة، القائمة على وحدة المصير وتطابق المصالح، في وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتضامن العربي للحفاظ على استقرار الدول وأمن شعوبها.
وفي هذا الإطار، فإن زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية قصيرة، بل حملت رسالة سياسية واضحة تؤكد تماسك الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية، وأهمية استمرار التنسيق المصري الخليجي باعتباره أحد أهم ركائز الاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل حالة السيولة السياسية والأمنية التي تتطلب حكمة وتنسيقًا عالي المستوى للحفاظ على أمن ومقدرات الدول العربية.