القاهرة وأبوظبي.. من التحالف السياسي إلى شراكة المصير

8-5-2026 | 15:20

في العلاقات بين الدول، هناك لحظات تختبر فيها الأزمات حقيقة المواقف، وتكشف فيها التطورات الكبرى طبيعة الروابط التي تجمع العواصم ببعضها البعض. ومن هذا المنظور، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي أمس (7 مايو 2026)، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية؛ لتؤكد أن العلاقات المصرية–الإماراتية لم تعد مجرد تعاون سياسي أو اقتصادي بين دولتين عربيتين، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بأمن الإقليم واستقراره، وبمستقبل النظام العربي نفسه.

فالزيارة، التي جاءت عقب الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل الإمارات، حملت في مضمونها رسائل تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد؛ حيث أكد الرئيس السيسي على أن "ما يمس الإمارات يمس مصر"، وهو الأمر الذي يعبر عن تطور استراتيجي مهم في طبيعة العلاقات العربية–العربية خلال العقد الأخير. فالقاهرة وأبوظبي لم تعودا تنظران إلى التحديات الإقليمية باعتبارها ملفات منفصلة أو أزمات محلية تخص كل دولة على حدة، وإنما باعتبارها حلقات مترابطة في مشهد إقليمي واحد، تتداخل فيه الجغرافيا بالأمن، والطاقة بالممرات البحرية، والسياسة بالاقتصاد.

والحقيقة أن العلاقات المصرية–الإماراتية خلال السنوات الماضية تجاوزت بكثير مفهوم "التحالف الظرفي"؛ فقد تشكل بين البلدين نوع من التفاهم الاستراتيجي العميق حول طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، سواء ما يتعلق بمخاطر انهيار الدولة الوطنية، أو تمدد الجماعات المسلحة، أو تصاعد التدخلات الإقليمية، أو التهديدات التي تطال أمن الممرات البحرية وسلاسل الطاقة والتجارة الدولية.

ومن هنا، فإن الإدانة المصرية الصريحة للهجمات الإيرانية على الإمارات لم تكن فقط دفاعًا عن دولة شقيقة، وإنما أيضًا دفاعًا عن مفهوم الاستقرار الإقليمي ذاته. فالهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وبنية تحتية داخل الإمارات تمثل، في الحسابات الاستراتيجية، تطورًا بالغ الخطورة؛ لأنها تنقل التوترات الإقليمية إلى مستوى جديد يهدد أمن الخليج، ويضع الممرات البحرية الحيوية في دائرة الخطر المباشر.

وليس سرًا أن القاهرة تنظر بقلق بالغ إلى أي تهديد يمس استقرار الخليج العربي، ليس فقط بسبب الروابط السياسية والتاريخية مع دوله، وإنما لأن أمن البحر الأحمر والخليج وقناة السويس أصبح جزءًا من شبكة أمن اقتصادي واستراتيجي واحدة. فأي اضطراب واسع في الخليج ينعكس تلقائيًا على حركة التجارة والطاقة، وعلى استقرار الاقتصاد العالمي، وعلى الأمن البحري الممتد من مضيق هرمز حتى قناة السويس والبحر المتوسط.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس السيسي إلى أبوظبي بعدًا يتجاوز التضامن السياسي إلى محاولة لتأكيد أن الرد العربي على الأزمات الإقليمية لا يجب أن يُبنى على الانفعال أو التصعيد غير المحسوب، وإنما على التوازن بين الردع السياسي والتحرك الدبلوماسي. ولذلك كان لافتًا أن الرئيس السيسي، إلى جانب إدانته الواضحة للهجمات الإيرانية، شدد أيضًا على ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية والحوار لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وهذه النقطة تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا في الرؤية المصرية لإدارة الأزمات الإقليمية. فالقاهرة تدرك أن المنطقة تعيش أصلًا فوق حقل واسع من التوترات الممتدة، من غزة إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى اليمن وسوريا ولبنان. وأي انفجار واسع النطاق في الخليج لن تكون له تداعيات محلية فقط، بل سوف يعيد تشكيل خريطة الاستقرار الإقليمي بالكامل، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الاستقطاب الدولي والتوترات الاقتصادية والأمنية.

ولعل أهم ما يميز العلاقة بين القاهرة وأبوظبي أنها لم تُبنَ فقط على تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية، وإنما أيضًا على قدر كبير من التفاهم السياسي حول مفهوم الدولة الوطنية وأولوية الاستقرار. فالدولتان تنظران إلى استقرار مؤسسات الدولة باعتباره خط الدفاع الأول ضد الفوضى والتفكك، وهو ما انعكس بوضوح في مواقفهما تجاه عدد من أزمات المنطقة خلال السنوات الماضية.

وفي خلفية كل ذلك، يبقى العامل الشخصي والسياسي بين الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد عنصرًا مهمًا في ترسيخ هذه العلاقة. فاللقاءات المتكررة والتنسيق المستمر بين القيادتين أسهما في بناء مستوى عالٍ من الثقة السياسية، انعكس على قدرة البلدين على التحرك المشترك في ملفات إقليمية معقدة.

غير أن القيمة الحقيقية للعلاقات المصرية–الإماراتية لا تكمن فقط في قدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما في قدرتها على التفكير في ما بعد الأزمات. فالمنطقة العربية تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى بناء شبكة من الشراكات العربية القادرة على حماية الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل؛ أمن الدولة، وأمن الاقتصاد، وأمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وأمن المجتمعات نفسها.

ولهذا، فإن زيارة الرئيس السيسي إلى أبوظبي لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تحرك تضامني عابر، وإنما باعتبارها رسالة سياسية واستراتيجية تقول إن العلاقات المصرية–الإماراتية أصبحت واحدة من الركائز الأساسية لاستقرار الإقليم، وإن القاهرة وأبوظبي تدركان أن اللحظة العربية الراهنة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بمنطق رد الفعل، بل تتطلب بناء رؤية مشتركة لحماية المنطقة وسط عالم يعاد تشكيله بالقوة والمصالح والتحولات الكبرى.

رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة