في زيارة لدولة الإمارات، وبخطوة واحدة محسوبة بدقة، وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي النقاط فوق الحروف. ومن خلال تشابك الأيدي مع الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، وسيرهما معًا وسط حفاوة شعبية، بعثت القيادة المصرية رسالة واحدة في غاية الأهمية: "أمن الخليج خط أحمر، وجزء من الأمن القومي المصري"، والرسالة الثانية هي أن "ما بين مصر والإمارات ليس علاقة رسمية ولا علاقة مصلحة عابرة، بل علاقة حب وأخوة راسخة".
وفي المقابل، فإن قادة الإمارات والشعب الإماراتي على العهد والوعد وفاءً لحب "زايد الخير" لمصر والمصريين. ولعل من أهم الرسائل هي حرص الشيخ محمد بن زايد على التأكيد بأن العلاقة مع القاهرة "خاصة واستراتيجية"، ودور مصر في حماية والدفاع عن الخليج والإمارات ليس موضع تساؤل، وهو موجود وعميق، ويحظى بترتيب ويتقدم على كل ما عداه؛ فهو تحالف أشقاء، ووحدة مصير. وكشفت الزيارة عن حرص مصر على التواجد بلا ضجيج، وأظهرت أن الدور المصري مطلوب بشدة.
ولقد حرصت مصر دومًا على خفض التصعيد واحتواء الأزمات المتفجرة قبل أن تتحول لحريق كبير، وذلك انطلاقًا من رؤيتها الاستراتيجية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. واختارت أن تقوم بذلك الدور بدون ضجيج، ولم تكن القاهرة بعيدة عن أزمات المنطقة، بل اختارت الصبر الاستراتيجي، وتجنبت إغواء "أضواء المسرح"، وتبنت نهج الدبلوماسية الفعالة في الغرف المغلقة، وفي القنوات الحقيقية حيث تعقد أو تتعقد الصفقات. ولم تشغلها حكايات تراجع الدور، ولكن بقي الدور حاضرًا وفاعلاً ومطلوبًا من القوى العربية والدولية التي تعرف حقيقة القوى وأوزانها بدقة.
في خلفية المشهد الصاخب بين طهران وواشنطن، تتحرك القاهرة بهدوء محسوب، مستفيدة من شبكة اتصالات مفتوحة مع مختلف الأطراف، ومن سمعة تاريخية باعتبارها دولة تميل إلى منع الانفجار لا تغذيه. وتشير تقديرات ومعلومات متقاطعة من دوائر دبلوماسية واستخباراتية إقليمية، إلى جانب قراءات صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن مصر لعبت خلال فترات التوتر الأخيرة دور "قناة التهدئة الصامتة" عبر نقل رسائل غير مباشرة، والتحذير من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تخرج عن السيطرة في الخليج والبحر الأحمر معًا. وقد لخصت "مجموعة الأزمات الدولية" هذا الدور بقولها: "إن مصر ما زالت واحدة من الدول القليلة القادرة على الحفاظ على قنوات اتصال مع جميع الأطراف في لحظات التصعيد"، فيما رأت "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" أن "قيمة القاهرة لا تكمن فقط في دبلوماسيتها العلنية، بل في قدرتها على منع سوء الحسابات الإقليمية بهدوء بعيدًا عن الأضواء".
وتدرك القاهرة أن أي صدام مباشر بين إيران والولايات المتحدة لن يبقى محصورًا عسكريًا، بل سيهدد أمن الملاحة والطاقة ويضغط بقوة على اقتصادات المنطقة، بما فيها الاقتصاد المصري. لذلك، تتحرك الدولة المصرية وفق مقاربة تقوم على احتواء التصعيد، وتشجيع الحلول المرحلية، والدفع نحو تفاهمات تمنع الانفجار الكبير الذي تخشاه عواصم عديدة أكثر مما تخشى الحرب نفسها.
وفي إطار جهود خفض التصعيد الإقليمي، حرصت مصر على عدة مهام رئيسية؛ فقد شكلت قناة خلفية لتبادل الرسائل بين الأطراف المتنازعة، وعملت على ترسيخ فكرة أن استقرار دول الخليج يمثل أولوية عربية مشتركة، وحشدت أدواتها الدبلوماسية والأمنية للحث على ضبط النفس والتهدئة بين القوى الإقليمية المتناحرة.
ولعل أهم مهمة لمصر، وهي تعكس قوتها، هو حرص الأطراف على كسب مساهمة القاهرة في حشد وإضفاء شرعية إقليمية على أي تسوية لأي أزمة كبرى بالمنطقة، وهو ما عزز مكانة القاهرة "كقوة إقليمية كبرى"، وكرقم يصعب تجاوزه، فضلاً عن كونه شريكًا موثوقًاقادرًا على إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة وتوفير غطاء سياسي خلال الأزمات.
وبالرغم من أن الأزمات الإقليمية من حولها شكلت طوقًا من النيران، ورغم علو أصوات كثيرة بالداخل تطالب بالاهتمام بالقضايا الداخلية، ورغم تعقيدات الأزمة الفلسطينية وحرب غزة ولبنان وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فقد اختارت القاهرة "احتواء وإطفاء الأزمات"، ونسج شبكة شراكات من أطراف إقليمية ودولية بحثًا عن تسويات واقعية تنتشل الأطراف والمنطقة من السقوط في الهاوية.
ولقد حذرت مصر من البداية، وأثبتت الأحداث دقة تقييمها للموقف، بأن تصعيد الأزمة الإيرانية ستكون له تداعيات خطيرة لن يسلم منها أحد، ولن يكون هناك حل عسكري، ويجب حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية ومن خلال التفاوض الصعب؛ وواقع الحال يؤكد رؤية مصر.
ولم تكن مصر بعيدة عن التضرر من الأزمة، مما زاد العبء على قدرة مصر على امتصاص صدمات مثل تعطيل خطوط الشحن والارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة.
وأدى التصعيد بين واشنطن وطهران وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن عالميًا، مما تسبب في زيادة التضخم في مصر ومضاعفة فاتورة وارداتها.
ومن ناحية أخرى، أثر التصعيد مع إيران على قطاعات أخرى في مصر؛ فالتوترات الإقليمية تلقي بظلالها على قطاعها السياحي، الذي يعد مصدرًا قيمًا للعملات الأجنبية، فضلاً عن أن احتمال قيام جماعة "أنصار الله" في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب، وبالتالي تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، قد يؤدي إلى تقليص إيرادات قناة السويس.
وهذه لم تكن تداعيات متوهمة بل أخطار حقيقية، وسرعان ما تحولت إلى أزمات يشتكي منها الجميع في العالم.
ومن ناحية أخرى، لا تزال لاعبًا فاعلاً على طاولة التوازنات الإقليمية، وتحاول الدبلوماسية المصرية السير على حبل رفيع في محاولة لإرساء توازن بين المواقف المتعارضة. ومن خلال انخراطها بقوة في جهود الوساطة، فإن ذلك يعكس علاقاتها القوية مع دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، وفي ظل حرصها على عدم التفرج على الأزمة من بعيد. ومع ذلك، قد تواجه مصر ضغوطًا من الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين بعيدًا عن الأضواء.
وفي الوقت نفسه، القاهرة مستعدة لتبني مواقف أكثر تشددًا إزاء إيران في حال تجددت التوترات، أو تعرضت الدول الخليجية والعربية لخطر كبير لا يمكن ردعه سوى بالوسائل الخشنة.
ووفقًا لكل هذه الحسابات الدقيقة، تبدو الاستراتيجية المصرية قائمة على تفادي التواجد العلني إلى جانب طرف معين في الأزمة سواء أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وفي الوقت ذاته إظهار حرصها على أمن ومصالح الخليج والدول العربية، والانخراط بقوة في المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إدارة واحتواء الأزمة الراهنة في الخليج. ويبقى أن دور مصر الهادئ في احتواء الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران يعيد تأكيد أهمية مكانتها الدبلوماسية، ويثبت أن دولة محورية بثقلها التاريخي والحضاري لا تحتاج إلى فرض هيمنة سياسية على المنطقة لتأكيد نفوذها، بل يكفي القاهرة توظيف خبراتها وحنكتها الدبلوماسية وشبكة شراكاتها الواسعة لتؤدي دورًا نشطًا وفعالاً خلال فترات الاضطرابات.
وتثبت مصر مرة بعد الأخرى عدم دقة الحديث عن تراجع نفوذها في المنطقة خلال السنوات الماضية أو غيابه؛ فهي ما زالت حاضرة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي.
وأحسب أن القاهرة اختارت نهجًا جديدًا يتمحور حول بناء الشراكات، وتعزيز الثقة، ومشاركة معلوماتها وخبراتها مع الأشقاء، والحضور المجدي في الأزمات عوضًا عن "الحضور الاستعراضي"، والتمسك بثوابت الأمن القومي العربي في مواجهة الإغراءات والتهديدات من القوى الإقليمية والدولية.
وباختصار، يكفي الدور المصري أن يكون محسوسًا وفاعلاً، وليس زاعقًا وفارغًا بلا مضمون. ولا أذيع سرًا، فقد قال لي عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين والآسيويين، وأحد سفراء إيران في القاهرة، ما يمكن تلخيصه في أن: "مصر دولة محورية، والجائزة الكبرى في المنطقة، ومفتاح الحرب والسلام، وفي لحظة الأزمة لاحظ كيف يهرع العالم بشرقه وغربه للقاهرة للتنسيق معها والاستماع إلى رؤيتها".
وبالتأكيد مصر تقوى بالأشقاء، وحضورها بدعمهم أقوى.