كانت الدنيا، بين يدي أيوب عليه السلام، بل عند أطراف أصابعه، أعطاه الله تعالى، خيراً كثيراً، ورزقاً وفيراً، وعزاً كبيراً، آتَاهُ البنين والبنات، ﺍﻟﻤﺎﻝ والأطيان، اﻷﺻﺤﺎﺏ والمريدين.
ومع كل هذه النعم، ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﻠﻪ تعالى، أن يعقد لأيوب، عليه السلام، اختباراً شديداً، اختباراً شديد الخصوصية، شديد القسوة، اختباراً لم يمر علي أحد غيره من قبل، ولن يمر من بعد! بأن ﻳﺒﺘﻠﻴﻪ ابتلاءات عظيمة، لتكون له امتحاناً، ولغيره عبرة!
أيوب بعد العز والجاه والعزوة، يخسر ﺗﺠﺎﺭﺗﻪ، ويموت ﺃﻭﻻﺩه، ويُصاب
ﺑﻤﺮﺽ ﺷﺪﻳﺪ، يُقعده عن الحركة، وكأن بينه وبين الأرض مغناطيسية، شديدة الجذب.
لو كان السلب للمال فقط، ربما هان الخطب، فالمال عرض زائل، وعارية مستردة، وإنما كان السلب للولد، وللعافية كذلك.
ينفض الناس من حوله، هؤلاء الذين تمنوا بالأمس وده، ونظرة رضاً يتعطف بها عليهم!
ألقوه ﺧﺎﺭﺝ ﻣﺪﻳﻨﺘﻬﻢ، ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻣﺮﺿﻪ! ﻭﻟﻢ يبقَ ﻣﻌﻪ ﺇﻻ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺗﺨﺪﻣﻪ، ﺣﺘﻰ ﻭﺻﻞ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﺃﻥ ﺗﻌﻤﻞ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻟﺘﺠﺪ ﻣﺎ ﺗﺴﺪ ﺑﻪ ﺣﺎﺟﺘﻬﺎ، ﻭﺣﺎﺟﺔ ﺯﻭﺟﻬﺎ! هذه التي كانت بالأمس أميرة، ذات حسب ونسب، مال وجمال!
ويبقى أيوب ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺀ، ﺛﻤﺎﻧﻴﺔ ﻋﺸﺮ ﻋﺎماً، ﺻﺎﺑﺮاً بلا شكوى، شاكراً بلا عتاب. تطلب منه زوجته الصالحة، أن يسأل ربه، أن يرفع عنه البلاء، فيجيبها، مضى عليَّ سبعون عاماً، صحيحاً معافاً، وثمانية عشر عاماً مريضاً، فلن أسأل الله العافية، قبل أن يمضي على مرضي سبعون عاماً أيضاً! إنني ﺍﺳﺘﺤﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ، فما ﻣﻜﺜﺖُ ﻓﻲ ﺑﻼﺋﻲ، ما مكثتُ ﻓﻲ ﺭﺧﺎﺋﻲ!
ﻭﺑﻌﺪ ﺃﻳﺎﻡ، ﺧﺎﻑ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻥ تنتقل إليهم ﻋﺪﻭﻯ ﺯﻭﺟﻬﺎ، ﻓﻠﻢ ﺗﻌﺪ ﺗﺠﺪ ﻣﻦ ﺗﻌﻤﻞ لديهم، فقصت بعضاً من ﺷﻌﺮﻫﺎ،
وباعت ضفيرتها؛ ﻟﻜﻲ تأﻛﻞ ﻫﻲ ﻭﺯﻭﺟﻬﺎ، الذي ﺳﺄﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﻳﻦ لكِ ﻫﺬﺍ؟ ﻭﻟﻢ ﺗﺠﺒﻪ.
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ، ﺑﺎﻋﺖ ضفيرتها ﺍﻷﺧﺮﻯ، ﻭﺗﻌﺠﺐ من أمرها، ﻭﺃﻟﺢ ﻋﻠﻴﻬﺎ في السؤال، ﻓﻜﺸﻔﺖ ﻋﻦ ﺭﺃﺳﻬﺎ، فتملك الحزن من أعماق فؤاده، ونادى ﺭﺑﻪ ﻧﺪﺍﺀً، تتقطع ﻟﻪ أنياط ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ، ﻓﻘﺎﻝ: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ..
ﻓﺠﺎﺀ ﺍﻷﻣﺮ ممن ﺑﻴﺪه ﺍﻷﻣﺮ كله: ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَاب..
مُغۡتَسَلُۢ.. لشفاء أمراض الظاهر.
شَرَاب.. لشفاء أمراض الباطن.
فشُفيت أمراض الظاهر والباطن جميعاً، ﻓﻘﺎﻡ ﺻﺤﻴﺤﺎً، ﻭعادت ﻟﻪ عافيته، ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ، وزيادة، ﻓﺠﺎﺀﺕ ﺯﻭﺟﺘﻪ، ﻭﻟﻢ ﺗﻌﺮﻓﻪ، ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻫﻞ ﺭﺃﻳﺖَ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎ؟! ﻓﻮﺍﻟﻠﻪِ ﻣﺎﺭﺍﻳﺖُ ﺭﺟﻼً ﺃﺷﺒﻪ ﺑﻪ ﺇﻻ ﺍﻧﺖَ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺻﺤﻴﺤﺎً؟ ﻓﻘﺎﻝ: ﺃﻣﺎ تعرفينني؟! ﻓﻘﺎﻟﺖ مَنْ أنت؟
ﻗﺎﻝ ﺃﻧﺎ أيوب!
ﻳﻘﻮﻝ ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، رضي الله عنه: ﻟﻢ ﻳﻜﺮﻣﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﺃﻛﺮﻡ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺃﻳﻀﺎً، ﺍﻟﺘﻲ
ﺻﺒﺮﺕ ﻣﻌﻪ، على ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺑﺘﻼﺀ! فأعادها ﺍﻟﻠﻪ تعالى ﺷﺎﺑﺔً، ﻭﻭﻟﺪﺕ لأيوب بنين وبناتٍ كثيرين.
ﻳﻘﻮﻝ الله ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ: وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ..
ﻛﻠﻤﺎ ﻓﺎﺽ ﺣﻤﻠﻚ، وزاد همك، وانقطع رجاؤك، ﺗﺬﻛﺮ ﺻﺒﺮ ﺃﻳﻮﺏ، بل تذكر صبر زوجته، التي ربما لم تخلد المجلدات سيرتها، ولكن الله تعالي خلدها، بل وأعطي أيوب الحل في قَسَمِه الذي أقسمه، بدافع المرض والضيق والحزن، بضربها مائة ضربة، لما غابت عنه، بغير إرادتها: وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡ..
تذكر دوماً صبر أيوب، لتعلم ﺃﻥ ﺻﺒﺮﻙ ﻧﻘﻄﺔ في ﺑﺤﺮ صبر ﺃﻳﻮﺏ.
أيوب ينجح في الاختبار نجاحاً عظيماً، والله نفسه يفاخر بهذا العبد النبي التقي: إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّاب..
إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗا.. هذه هي حيثيات الحكم.
نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ.. هذا هو الثناء الحسن الجميل، من الله، جلت قدرته..
وتتوالى فيوضاته، جل شأنه، وتتعدد تأكيداته، سبحانه: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ..
أي كل طلباته مجابة عندنا، فقد نجح في اختباره، وقدم أعظم المثل، في الصبر والجلد والتحمل.
في كل الأحوال، ثِقْ بربك، كما فعل أيوب، وكما فعل الأنبياء والمرسلون جميعهم.
لما دعا نوح ربه: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ..
لم يخْطُر بباله، أنَّ الله سيُغرق البشرية كلها لأجله، وأنَّ سكان العالم سيفنون جميعاً، إلا هو ومَنْ معه في السفينة! فَثِقْ بربك.
ولما دعا سليمان ربه: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ..
لم يكن يعلم، أنه سيتملك الدنيا بما فيها! فَثِقْ بربك.