في وقت تتزايد فيه التحديات الاجتماعية وتتعقد فيه العلاقات الأسرية، يعود قانون الأحوال الشخصية إلى واجهة النقاش العام في مصر، باعتباره أحد أكثر التشريعات تأثيرًا على استقرار المجتمع. وبين مطالب تحقيق العدالة بين الزوجين، وضمان حقوق المرأة، والحفاظ على الصحة النفسية للطفل، تتباين الآراء وتتصاعد حدة الجدل حول ملامح القانون المرتقب، الذي لم يُعرض رسميًا بعد على مجلس النواب، لكنه بات محورًا لنقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية والاجتماعية.
موضوعات مقترحة
النائبة عبلة الهواري
قانون يمس قلب الأسرة المصرية
أكدت النائبة عبلة الهواري، عضو مجلس النواب، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية يُعد من أهم القوانين المطروحة حاليًا، نظرًا لارتباطه المباشر بكيان الأسرة المصرية، سواء في حالات الاستقرار أو الانفصال.
وأوضحت أن فلسفة القانون ترتكز على تحقيق توازن عادل بين حقوق الأب والأم، دون الإضرار بأي طرف، مع وضع المصلحة الفضلى للطفل كأولوية قصوى.
لكن، وعلى الرغم من هذه الأهداف، لا تزال عدة نقاط جوهرية محل جدل، أبرزها: "سن الحضانة وترتيبها، نظام الرؤية والاستضافة، الطلاق الشفوي"
وشددت الهواري على أن ما يُطرح حاليًا لا يتعدى كونه رؤى ومقترحات تمهيدية، في انتظار الصياغة النهائية وطرح المشروع رسميًا للنقاش البرلماني.
الحضانة بين العلم والخلاف المجتمعي
تُعد قضية سن الحضانة من أكثر الملفات إثارة للجدل.. وفي هذا السياق، دعت عبلة الهواري إلى ضرورة الاحتكام إلى رأي الخبراء، خاصة في مجالي علم النفس والاجتماع، لتحديد السن الأنسب الذي يمكن فيه نقل الطفل من رعاية الأم.
وترى أن القرار يجب أن يستند إلى أسس علمية تضمن التوازن النفسي والاجتماعي للطفل، بعيدًا عن التجاذبات المجتمعية أو الضغوط الحقوقية المتباينة.
الدكتورة منال العبسي
دعوات لإلغاء "الخلع" وإعادة هيكلة الطلاق
من جانب آخر، أطلقت الدكتورة منال العبسي، رئيس الجمعية العمومية لنساء مصر، مبادرة حقوقية شاملة لإعادة النظر في أسس قانون الأسرة، مطالبة بإلغاء نظام الخلع واستبداله بتسريع إجراءات الطلاق للضرر.
وأوضحت أن الخلع يُجبر المرأة على التنازل عن حقوقها المالية، ما يضعها في دائرة الفقر والاحتياج، وهو ما ينعكس سلبًا على الأطفال، خاصة في حال كانت الأم حاضنة.
وأكدت أن تحقيق العدالة يتطلب تسريع إجراءات التقاضي، ضمان الحقوق المالية للمرأة، توفير دعم اقتصادي واجتماعي للمطلقات.
"الطفل أولًا" الصحة النفسية في قلب التشريع
تشدد المبادرات الحقوقية والنسوية على أن رفاهية الطفل النفسية يجب أن تكون محور أي تعديل قانوني.
وفي هذا السياق، دعت العبسي إلى وضع جداول زمنية مستقرة للرؤية والاستضافة، و تقليل الصراعات بين الأبوين، مع توفير دعم نفسي وإرشاد أسري للأطفال والأهالي و متابعة دورية لتقييم أثر القوانين على الأطفال.
كما طالبت بإدراج آليات لحماية الأطفال من العنف الأسري، وتوفير بدائل آمنة وسريعة في حالات الخطر.
جدل حول الاستضافة: حق أم امتياز؟
الباحثة في شئون المرأة عبير سليمان أكدت أن أي تعديل يجب أن ينطلق من مبدأ "المصلحة الفضلى للطفل"، محذرة من أن خفض سن الحضانة قد يضر بالاحتياجات النفسية للأطفال في مراحلهم المبكرة.
وفيما يتعلق بـالاستضافة، أبدت تأييدها من حيث المبدأ، لكنها اشترطت ربطها بالإنفاق، قائلة: "لا يمكن الحديث عن حقوق دون التزامات".
وأضافت أن الطفل ليس أداة صراع، بل كيان إنساني يحتاج إلى بيئة مستقرة ومتوازنة.
"رؤية قانونية" هل التعديلات كافية؟
من جانبه، يرى الدكتور أحمد القرماني، الخبير القانوني، أن التعديلات المقترحة لا تزال غير كافية لتحقيق التوازن المطلوب، خاصة فيما يتعلق بدور الأب.
وأشار إلى أن ترتيب الحضانة الجديد (الأم ثم الأب) يُعد تطورًا؛ لكن استمرار انتهاء الحضانة عند 15 عامًا يُفرغ التعديل من مضمونه و أن مدة "الاستزارة" (الاستضافة سابقًا) غير كافية لمشاركة الأب في التربية
كما انتقد ما وصفه بـ"حرمان الأب من دوره التربوي"، معتبرًا أن ذلك يتعارض مع الفطرة ويؤثر سلبًا على الأطفال.
نحو قانون أكثر عدالة..الحاجة إلى حوار مجتمعي
في ظل هذا التباين الحاد في الآراء، تتزايد الدعوات لفتح حوار مجتمعي شامل يضم كافة الأطراف:
-المشرعين.
-الخبراء النفسيين والاجتماعيين.
-منظمات المجتمع المدني.
-الجهات الحقوقية.
بهدف الوصول إلى قانون يحقق التوازن بين حقوق الأب والأم، حماية المرأة من الهشاشة الاقتصادية، ضمان بيئة صحية وآمنة للأطفال.
يبقى قانون الأحوال الشخصية في مصر اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الأسري. وبينما تتعدد الرؤى وتتصادم المصالح، يظل الطفل هو الحلقة الأضعف، والأحق بالحماية في أي معادلة قانونية قادمة.