لا أكره شيئًا في حياتي كراهيتي لشخصية هذا الإنسان، الشخص الذي لا يستقر في حديثه على حال، إنه يتحدث مع الآخرين بمختلف الأشكال كأنه امتلكهم وكأنهم ليسوا بشرًا لهم عنده حقوق، حق في اطمئنان وفي راحة بال، حق في استقرار على نبرة صوت واحدة، حقهم في سماع صوت خفيض خال من الإزعاج، إنه اعتاد أن يقفز بين اللحظة والأخرى ليحيل الهدوء صخبًا، والصخب إلى غضب ممزوج بصوت عال.
يزلزل الصمت يحطمه، يصنع من أجواء الثبات كلمات تضج بالفوضى وتشي بالاحتيال، يسبح بين اللطف تارة وبين القسوة تارة أخرى، قسوة عمياء تصبغ بقوتها وسطوتها حديثًا من كلمات هوجاء جوفاء، تتحول معه الحروف الهادئة لطلقات رصاص، تمتلئ نفسك أثناء حديثه معك بالحيرة التي يغلفها القلق والارتباك، كل هذا يحدث بأقصى سرعة، يتم معظمه في ثوان معدودة.
يتحول من بعدها الأمن لخوف، بل ولرعب يحول الثبات إلى شتات، تخلق تقلباته الحادة في حديثه حالة من ترقبٍ وحذر يتبعه توتر وقلق يفرضان وجودهما ولا ينتهيان؛ فأمواج الغدر العالية تتأهب وتطلق أبشع الأصوات، ضجيج حول حالة الهدوء إلى ريح وإعصار، إلى حالة من قهر تحيل برودة الجليد إلى حالة من انصهار وغليان.
بجواره ستتألم من حديث صاخب يشتتك متعمدًا هاربًا من حقيقة يغلفها بالضلال، كل كلمة تخرج من فيه تحمل معها ثورة أخرى تُضاف للثورات العارمات، تهب في أقصى ذروة لها، بلا داع ودون إنذار، ينطق بها -مسمومة- يود بها أن يبسط رأيه على غيره دون تروٍ منه وبلا استئذان.
أستشعر هذا كلما وقع بأذني حديثه الذي تغشيه جميع النبرات، يبدو هذا واضحًا فلا حاجة معه إلى إعلان، إنه يبدأ في أوله هادئًا ثم يتحول نسيمه العليل إلى ريح عاصف وصواعق آتيات، يفعل كل هذا دون اعتبار لكسر خاطر إنسان -سهل لين- ثابت على حاله لا يجيد تلونًا ولا يرغب في شتات، لا يرى فيه أملًا، لا ينتظر تحقيقه كحلم من الأحلام.
كم كنت أجالسه مضطرة، أرجوه قبل حديثي أن يثبت على حال، فأنا للحق أشعر برهبة كلما احتدت نبرة صوته وحول الحوار لمعترك قتال، لكنه وكالمعتاد يقوم بصب لهيب غضبه النابع من عصبية لا فائدة منها، وتوتر أبغضه ولا أرجو له استمرارًا، فإذا به يمارس عناده ويصر على الإرباك، كأنه بهذا يسعى لمعاداتي مع سبق ترصد وإصرار.
القلق في العادة يخرج من تحت عباءة اللا متوقع المفاجئ واللا مرصود، يأتي من خلال أسلوب كلام تكسوه فظاظة ويطويه سوء تقدير، أقوال هي حقًا لكنها بالطبع ستتبعها أفعال. إن الثبات على حال مع هؤلاء يحتاج لمعجزة حقة وآية من الآيات.
لو أتيحت لك فرص الاختيار، تجنب هؤلاء تمامًا، ابتعد عن المرهقين، المستمتعين بكسر خواطر العباد، المصرين على فرض آرائهم عنوة بالصراخ، المروجين لمواقفهم بالترهيب والإيذاء، دعك من إبداء النصح لهم فلا فائدة منه معهم، اعتزلهم وحسب، فهم لن يتغيروا، هكذا كانوا وأصبحوا وما زالوا، وهكذا سيبقون إلى آخر الزمان.