قرار يبدو وكأنه قد اتخذ منذ زمن بعيد.. لا أدري متى بالتحديد، لكن القناعة التي تفيض بها العيون والألسنة والعقول من حولنا تؤكد صدق الأمر كما يبدو، لتلقي بنا في متاهة لا مخرج منها.
قررت النساء أن "كل" الرجال خونة و"عيونهم زايغة".. قرار نهائي لا رجعة فيه.. وغير مسموح لا بالمناقشة ولا الجدال.. قضي الأمر. انتبهوا جيدًا يا سادة فهي ليست مجرد وجهة نظر، ولا رأي طائش نشأ في لحظة غضب، بل هي قناعة تكونت وترسخت في العقول ولا سبيل إلى تغييرها. فليقتنع منكم من يقتنع ويجادل من يجادل.. وهل تمتلكون إلا الجدال للدفاع عن أنفسكم؟! لا توجد أي مشكلة، لكن اعلموا أن جدالكم لن يغير شيئًا.
وعلى الجانب الآخر قرر الرجال أن "كل" النساء لهن نصيب وافر من "الجنون".. ولا سبيل أيضًا للنقاش. ويؤكدون في حيثيات القرار أنه جنون من النوع الخطير الذي لا سبيل إلى تجنب عواقبه. جنون ظاهر واضح، ففي ثانية واحدة يمكن أن ترى كل ألوان الطيف على وجهها، متقلبة إلى أقصى حد، التقلب هو صفتها وطبيعتها الطاغية. يمكن أن تكرهك وتلعن أسلافك، ثم تجدها تعد لك أجمل طعام وتبتسم وكأن شيئًا لم يكن، وإن تعجبت فسرت لك الأمر بأن المرأة بطبيعتها طيبة، وبالتأكيد "عبيطة"، تنسى الإساءة بمنتهى السرعة.
دومًا تتهمك بعدم مساعدتها في شيء وإلقاء كل هموم المنزل والأبناء عليها، فإن ساعدتها سخرت مما تفعل وظلت تلومك على "خيبتك القوية" في كل شيء تقوم به وتقسم ألف يمين أنه لا فلاح للرجال بدون وجودهن.
المصيبة الكبرى أن تتطلب فرضية استمرار الحياة أن يعيش الخائن مع المجنونة في بيت واحد!
من جانبها ورغم قرارها الذي صدر منذ زمن بعيد بأنه خائن، تأبى رقة قلبها إلا أن توجد له العذر في ذلك.. فتقول إنه مسكين لا حيلة له في أمره لأنه "خائن وعينه زايغة" بالفطرة، هو طبع يسري مع الدماء في عروقه، الأمر يشبه التبول اللاإرادي. ورغم أنها تعلنها صريحة في كل وقت دون ملل وبشكل طبيعي جدًا.. كلكم خائنون.. إلا أنها لا تتردد في الزواج منه وهي تعلم حقيقته، وكأنها قد استسلمت للأمر، فطالما كل الرجال خونة فماذا تفعل المسكينة، هل تضرب عن الزواج؟ الأمر لله من قبل ومن بعد، ربما نجحت في علاجه! لكن عن أي علاج تبحث تلك المسكينة وهي تعلم أنه مرض عضال مزمن لا علاج منه؟ ما الحل إذن لترويض هذا الكائن الخائن بالفطرة؟ هل تراقبه طول الوقت؟ هل تترك مصالحها وتتعقبه أثناء ذهابه للعمل؟ هل تفتش في تليفونه الخاص؟ وهل سوف يجدي ذلك مع الرجل؟ بالطبع لا فكما قلنا هو خائن بالفطرة ولابد أنه سوف يجد مليون طريقة لخيانتها.
وهو يعتبرها مجنونة! ولا سبيل للتعامل معها إلا أسلوب "سي السيد" الآمر الناهي بدون مناقشة: افعلي هذا يا أمينة.. فتفعل أمينة، ويصبح هو نموذجًا للظلم والعدوان والتعسف. ولمن لا يجيد ذلك توجد وسيلة أخرى تتمثل في التغافل وعدم التركيز والتظاهر بالعبط والبله والنسيان حتى تمر الأمور بسلام، ليكون نموذجًا للسفه والتواكل والتكاسل وعدم تحمل المسئولية.
لكن بالطبع لا ينطبق ذلك دائمًا فهناك وسيلة أخرى للتعامل.. المناقشة.. التي يراها البعض أسرع طريق للجلطة أو الذبحة الصدرية... اختار أهونهما كما تشاء. ورغم ذلك نجده يقبل هو الآخر على الزواج والحياة مع تلك المجنونة! وكأنه بدوره قد استسلم لفكرة أنه طالما أن جميع النساء مجنونات فلا سبيل للحياة بشكل طبيعي إلا قبول الأمر على ما هو عليه.. وربما قرر هو الآخر أن يحاول أن يشفيها من جنونها المزمن الذي حسم الرجال وجوده في دمائها منذ الميلاد!
السؤال المحير: لماذا قبلوا ذلك من البداية؟ وكيف يمكن التعايش معًا طالما الأمر كذلك؟
ماذا يتوقع الرجل من المرأة وهو يعلم جيدًا أنها تعرف جيدًا أنه وكل صنفه "الملعون" يعتبرون كل النساء مجانين؟ فليكن إذن "جنان بجنان".. تحمل نتيجة أفكارك وتصريحاتك الحمقاء. حتى ترى الجنان على أصله.
وأنتِ يا عزيزتي، ماذا تتوقعين منه وأنتِ تعلمين جيدًا أنه يعرف جيدًا أنكِ وكل صنف النساء تعتبرن كل الرجال "خائنين وعيونهم زايغة"؟ تهمة أزلية التصقت به ولا سبيل إلى إثبات العكس، وعليه أن يمضي كل حياته ليثبت لكِ براءته؟ ولن يثبتها! فقد قررت النساء أن المرأة لا تخطئ.. المرأة لديها قرون استشعار.. أليس هذا ما تقوله النساء؟
هل تلاحظون "كل" و"جميع"؟ لا أظن أنه تم استخدام تلك الكلمات بهذا الشكل من قبل.. فدائمًا توجد استثناءات. إلا في هذا الأمر.. إجماع غير مسبوق!!!