عناوين مقالاتنا لا تأتي خبط عشواء ولا مصادفة، وإنما هي أفكار نستقيها من واقعنا المعاصر المعاش الذي نحياه. ثم نجسدها في سطور معدودات لعلنا نجد ضالتنا المنشودة ونجد حلولًا لكثير من مشاكلنا التي -على ما أعتقد- ليست عصية الحل، فما من مشكلة إلا ولها حلول، لكننا قوم متعجلون. فلِمَ التعجل والعجلة والاستعجال؟ لماذا لا نتروى قليلًا ونعالج مشكلاتنا بشيءٍ من الهدوء والسكينة والطمأنينة؟
نعلم تمام العلم أن لنا جميعًا طموحات نسعى إلى تحقيقها، فمن منا لا يحلم أن يحقق هدفه، كأن يصبح مثلًا كاتبًا مشهورًا يشار إليه بالبنان؟ من منا لا يحلم أن يصبح سياسيًا بارعًا يقدم حلولًا سياسية تخدم واقعنا السياسي، سواء الحزبي أو النيابي أو المحليات؟
من منا لا يحلم بما يتمناه؟ من منا لا يحلم أن يكون ثريًا يمتلك ما يحقق له مبتغاه من مقومات الحياة اللذوية، إشباعًا لجانبه المادي؟ من منا لا يحلم أن يكون صاحب نفوذ وجاه وسلطان؟ من منا لا يحلم أن يؤسس أسرة سعيدة وينجب البنين والبنات بغية العزوة التي هي بمثابة العصبة؟
أليست هذه أحلامًا مشروعة؟! نعم مشروعة، وتستمد مشروعيتها من إمكانية تحقيقها، لكن السؤال المهم: هل يكون نيل المطالب بالتمني أم بالسعي والعمل الدؤوب، والأخذ بالأسباب، ثم التوكل على رب الأسباب؟
ولعلنا يأتينا سؤال: نفعل كل هذه الأمور ونجتهد ونجد ونذاكر ونسهر ونعمل باجتهاد في أعمالنا، ويحصد ثمار مجهوداتنا غيرنا، ممن هم دوننا في السعي، ممن لا يجدون ولا يجتهدون، لكنهم يتحصلون على المناصب وعلى الثروات، وعلى كل مقومات الحياة المادية.
لكن نجابه من يسألنا بسؤال وجودي: هل تظن أنك اجتهدت وفعلت ما بوسعك وتوجهت باسطًا يديك إلى خالقك وردها خائبة؟ هل تظن أنك وقفت ببابه وطردك؟ العكس هو الصحيح، الله سيستجيب عاجلًا أم آجلًا حتمًا سيستجيب، لماذا؟! لأنه سبحانه وتعالى قالها: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، إذن استجابة الدعاء بشروط، الاستجابة لله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؛ ما الذي يحيينا؟ التوحيد المطلق الذي يتبعه الإيمان، وإذا ما تحقق الإيمان فضرورة أن يقترن به العمل.
إذا ما تحققت هذه الضوابط سيتحقق للمرء الرشاد، والرشاد هنا هو الخيرات التوفيقية المتمثلة في هداية الله وتسديده وتوفيقه وإرشاده وتسخير الأسباب له.
أيضًا من الضوابط الشرعية للاستجابة عدم التعجل والاستعجال، فلا تتعجلوا في الطلب، ولا تملوا الطلب وألحوا على الله تعالى؛ فالله يحب عبده اللحوح الذي يصر على الوصول إلى الباب، فإذا ما وصل حتمًا سيفتح، والباب هنا تعبير مجازي، فجميع أبواب الدنيا مفاتيحها معلقة ببابه تعالى.
لكن دون ضجر أو ضيق أو ملل، فالله تعالى بيده مقاليد كل شيء إن شاء أعطى وإن شاء منع، فوجب علينا أن نتأدب في الطلب من الله تعالى، ونبتغي إليه الوسيلة.
ولنا أن نقتدي بالأنبياء –عليهم السلام– في تأدبهم مع الله؛ فماذا فعل سيدنا أيوب؟ طلب من الله أن يصرف عنه السوء بأدب: {رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}؛ ما النتيجة؟ {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}. ماذا فعل سيدنا يونس –عليه السلام–؟ {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
ثم انظروا إلى أدب سيدنا نوح –عليه السلام– مع الله عندما أخبره تعالى أن ابنه ليس من أهله، ووعظه الله ألا يَقْفُ ما ليس له به علم: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. ثم ماذا قال حبيبنا محمد –صلى الله عليه وسلم– في رحلة المعراج، صاحب الأدب الجم: "التحيات لله والصلوات والطيبات لله"، ماذا كانت الإجابة؟ "السلام عليك أيها النبي". وسيدنا زكريا ماذا قال له الله تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}.
فلا يظن أحد أن الله ينساه أو يتناساه، فما خلق الله تعالى الخلق جميعًا إلا من أجل خدمتنا. فلا تجعلوا للشيطان عليكم سبيلًا ولا تمكنوه من نفوسكم، فألد أعداء الإنسان نفسه الأمارة بالسوء التي بين جنبيه، التي دومًا ما تدعوه إلى اليأس وإلى القنوط من رحمة الله تعالى؛ فلا تيأسوا من روح الله: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
ثم ماذا فعل صحابة الرسول –صلى الله عليه وسلم– عندما اشتد عليهم غيظ الكفار وعندما عذبوا ونكل بهم أيما تنكيل؟ ذهبوا إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم–؛ فعلى الرغم من أنهم لم يطلبوا مطلبًا دنيويًا، لم يسألوا النبي أن يدعو الله لهم أن يرزقهم المال والجاه والسلطان والمنعة، وإنما سألوه أن يدعو الله أن يمكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم ويبدلهم من بعد خوفهم أمنًا.
وهنا نذكر بحديث النبي –صلى الله عليه وسلم– الذي رواه سيدنا خباب بن الأرت –رضي الله عنه–؛ هذا الحديث الذي وردت فيه عبارة "ولكنكم قوم تستعجلون". عن خباب بن الأرت –رضي الله عنه– قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
انظروا إلى تهذيب النبي –صلى الله عليه وسلم– لأصحابه، أعطاهم درسًا في الصبر على الابتلاء، وهذا الحديث الذي ورد بنصه في صحيح البخاري دليل دامغ على صلاحية السنة المباركة لكل زمان ومكان، فما أحوجنا إلى هذه التربية الإصلاحية؛ إنه درس في الصبر وعدم تعجل الأمور. "ولكنكم تستعجلون" تربية للنفوس على الصبر وترك الاستعجال في تحقيق النتائج.