الإمبراطورية تغرق في الخليج؟!

6-5-2026 | 12:29

يبدو أن الإمبراطورية الأمريكية تغوص في مستنقع الحرب ضد إيران، ولا يبدو في الأفق سوى خيارات سيئة، وبات دونالد ترامب مطالبًا بحسم هذه الكارثة بأسرع وقت ممكن. 

ولعل العامل الحاسم هو أن الحرب بدأت تضغط على حياة الأمريكيين. ومرة أخرى يقفز درس "الاقتصاد يا غبي" مع خطر التورط في حرب لا نهاية لها في الشرق الأوسط. ومما يعقد المشهد هو أن ترامب يدرك ذلك منذ زمن بعيد، وجاء للحكم ساخرًا من الحروب العبثية، وحاملًا لواء السلام، وإنهاء الصراعات، إلا أنه لم يتمكن بل تورط في حرب أخطر، رفض من سبقوه القيام بها. 

ولقد بدأت الأصوات ترتفع ضد الحرب في داخل الولايات المتحدة، وعوضًا عن أن يرى الأمريكيون أن ترامب ينجح في "جعل أمريكا عظيمة ثانية"، فقد كتب الكاتب الأمريكي كريستوفر كالدويل بمرارة في صحيفة نيويورك تايمز مقالة بعنوان "أمريكا رسميا.. إمبراطورية في طور الانحدار".

ويرى كالدويل أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن مجرد فكرة سيئة، بل تحوّل إلى نقطة تحوّل في انحدار الإمبراطورية الأمريكية. قد يفضّل البعض وصف النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة بـ"الهيمنة"، نظرًا لأن علمها لا يرفرف عادةً فوق الأراضي التي تحميها أو تستغلها.

ويقول الكاتب بمرارة "لكن القواعد واحدة: الأنظمة الإمبراطورية، مهما كان اسمها، لا تدوم إلا ما دامت وسائلها كافية لتحقيق غاياتها. ومع حرب إيران، وسّع الرئيس ترامب الإمبراطورية بشكل خطير."

إنّ مغامرة عسكرية فاشلة في الشرق الأوسط هي آخر ما كان يتوقعه مراقب عادي من فشل رئاسة السيد ترامب. فالمشاكل التي ألمح إليها في حملاته الرئاسية الثلاث كانت في معظمها ناتجة عن حكم قادتنا بما يتجاوز إمكانياتهم، ووفقًا للكاتب الأمريكي. 

وفي اللحظة الراهنة بدأت الصورة تظهر بوضوح أن كل مواطن أمريكي تقريبًا يدفع "ثمن الحرب في إيران" من جيبه الخاص، وبدأ الاقتصاد الأمريكي يشعر بآثار نقص الوقود، وقد تصبح العواقب، من ارتفاع حاد في الأسعار، وركود تضخمي، ونقص في الإمدادات، كارثية بحلول الصيف.

ولقد بلغت تكاليف الوقود على الأمريكيين مستوى قياسيًا كلفهم 81 مليار دولار في مارس، بزيادة قدرها 20% خلال شهر. ومن المتوقع أن ترتفع في مايو.وأجبر الارتفاع الحاد في أسعار الوقود 44% من الأمريكيين على تقليل استخدام سياراتهم، كما ألغى ثلث السكان إجازاتهم.

وفي الوقت نفسه أفلست شركة سبيريت إيرلاينز، لعجزها عن الصمود أمام تداعيات الحرب في إيران وأزمة الوقود. وكانت هذه الشركة الشهيرة تضم 17 ألف موظف ونحو130 طائرة، وهي سابع أكبر شركة طيران في البلاد، وقفزت أسعار تذاكر الطيران بنسبة تتراوح بين 50% و200%. وأُجبرت شركات الطيران على تقليص رحلاتها بنسبة تصل إلى 15% لتوفير الوقود،

ومن الخطأ القول إن الولايات المتحدة عالقة في حرب أشعلتها. لديها خيارات. لكنها ستدفع ثمنًا باهظًا، أيًا كان الخيار الذي ستختاره. بإمكانها التوقف عن التدخل في إيران، بعد أن أثبتت، دون أي مبرر، أن جيشها أقل هيمنة بكثير مما كان يعتقد العالم. أو بإمكانها سحب الموارد من جبهات ذات أهمية وطنية أمريكية حيوية، كأوروبا وشرق آسيا، لتمويل ما يسميه الرئيس "غزوة" لإيران. أو بإمكانها اللجوء إلى الخيارات العسكرية المتطرفة التي ألمح إليها السيد ترامب بشكل مبهم في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بدءًا من أوائل أبريل، والتي ستجلب عارًا أبديًا للبلاد التي يقودها، مثلما يرى كالدويل في مقاله. ويخلص الكاتب الأمريكي كريستوفر كالدويل لخلاصات مريرة للحرب بقوله: "الولايات المتحدة مُعرَّضةلخسارة سمعتها، وأصدقائها، أو حتى جوهرها".

ويسود المنطقة العربية والساحة الدولية حالة تشاؤم عميقة، وترى مصادر عربية عليمة أن جميع الأطراف المتنازعة، الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والدول العربية، سوف تخرج من هذا الصراع مُنهكة.وإذا استمرت الحرب، فسوف يدفع الاقتصاد العربي والعالمي ثمنًا باهظًا. 

ومن ناحية أخرى ترصد المصادر العربية والدولية ذاتها أن هناك ساعتين منفصلتين لطرفي الحرب الرابعة في الخليج. فالإيرانيون مقتنعون بأن لديهم متسعًا من الوقت ويمكنهم التفاوض لفترة طويلة، بينما يرون أن دونالد ترامب يتعرض لضغوط للتوصل إلى اتفاق سريع بسبب الوضع الاقتصادي. 

وبالنسبة لهم، تذبذب الرئيس الأمريكي بتهديده بمحو إيران ثم اعلان وقف اطلاق النار، وقبوله التفاوض في باكستان، ثم فرض الحصار البحري على إيران، وفشله في فك حصار هرمز، وخسارته دعم الحلفاء في أوروبا وآسيا، ومن قبل بعرضه وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، مما أجبر نتنياهو على التوقف، ثم بالسماح بجولة جديدة من المفاوضات في باكستان. كل ذلك يراه الإيرانيون علامة ضعف، وأن ترامب يتخبط، والإمبراطورية الأمريكية تترنح. وهذه خسارة كبيرة في معركة الصورة الذهنية للقوة العظمى الوحيدة، التي تحاول البقاء مهيمنة.

وفي الوقت نفسه، فشل ترامب في الإطاحة بنظام طهران، إلا أنه ما زال مقتنعًا بأن النظام بات يعاني من تشتت كبير في السلطة، وأنه لم يعد قادرًا على التواصل الفعال، والتنسيق بين فصائله المختلفة، ما يُعد من وجهة نظر ترامب مؤشرًا على وجود توترات داخلية حادة. ويرى الكثير من الخبراء أن النظام الإيراني متماسك بفعل تداعيات حرب ترامب، والإطاحة بقياداته، ويقاتل بشراسة "مثل نمر جريح"، من أجل البقاء، وبات خطرًا أكثر من أي وقت مضى.

ولا تقتصر الخسائر على ذلك فقط، بل هناك غضب الدول العربية من الحرب ضد إيران التي يدفعون ثمنها رغمًا عنهم، والآن فإن هاجس الدول العربية، يتمثل في احتمال تخلي ترامب عنها دون إعادة فتح مضيق هرمز. وفي هذه الحالة، سيسيطر الإيرانيون على المضيق، وسيتمكنون من فرض رسوم جمركية على الدول العربية، ما سيمنح نظام طهران فعليًا سلطةً جديدة في المنطقة.

ويبقى أن القوة العظمى لم تتمكن حتى الآن من إنجاز المهمة، ودفعت طهران للزاوية، واللجوء لخيارات تصعيدية، بل يراها البعض غير عقلانية تنم عن اليأس أو أن النظام ليس لديه ما يخسره.

وربما تعتقد إيران أنها بشن هجمات على دول الخليج، والقواعد والمصالح الأمريكية هناك، قد تضغط هذه الدول على الولايات المتحدة فتتراجع عن التصعيد، لكن ما حدث أنها أغضبت قادة الخليج الذين سبق ودفعوا صوب حلّ دبلوماسي، ليصبحوا الآن مجبرين على التفكير في اتخاذ خطوات تصعيدية ضد طهران.

ويبقى أن غياب الرؤية الواضحة لدى ترامب فيما يتعلق بـ"إيران ما بعد الحرب" قد أوجد حالة خطيرة من عدم اليقين، وتخشى الدول العربية من أنه إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب ضد النظام الإيراني من دون الإطاحة به، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطهم نَمِرًا جريحًا أثبتَ قُدرةً واستعدادًا لقصف عواصم تلك الدول.

وإذا أطاحت واشنطن بالنظام في إيران، تكون بذلك قد تركت لدول الخليج في محيطهم دولة فاشلة ومُفتتة، وإذا استمرت حالة عدم اليقين وعدم الحسم سلمًا أو حربًا، فسوف تقدم إدارة ترامب الدليل على أفول الإمبراطورية وانحدارها، وأن دول الخليج وبقية العالم تركت لهم مهمة التعامل مع اليوم التالي في إيران، والذي من غير المرجّح أنْ يشهد عمليةَ انتقال سلسة في طهران، أو ظهور دولة معتدلة وصديقة لدول الجوار.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: