أحزان صاحبة الجلالة

5-5-2026 | 14:00

لم يعد الثالث من مايو مجرد موعدٍ عابر في رزنامة الأيام الدولية، بل صار أشبه بمرآةٍ تعكس حال العالم وهو يختبر علاقته بالحقيقة. في هذا اليوم، الذي اختارته اليونسكو للاحتفاء بحرية الصحافة، تتوارى مظاهر الاحتفال خلف مشهدٍ أكثر قتامة، حيث تتقدم الأسئلة الصعبة على عبارات التهنئة، ويعلو صوت القلق على نبرة التفاؤل.

تقول الوقائع إن حرية الصحافة لم تعد فقط قضية مهنية تخص العاملين في بلاط صاحبة الجلالة، بل أصبحت معيارًا يقاس به منسوب السلام والاستقرار في العالم. فحيثما ضاقت الكلمة، اتسعت دوائر الشك، وحيثما حُجبت المعلومة، تراجعت الثقة، وتآكلت أسس الحوار العام.

تراجع الحرية الإعلامية

وفقًا للتقارير الدولية، يشهد العالم اليوم تراجعًا غير مسبوق في مساحة الحرية الإعلامية، تراجعٌ يستدعي إلى الذاكرة لحظاتٍ من التاريخ كان فيها الصراع على الرواية لا يقل شراسة عن الصراع على الأرض. ولم يعد الخطر مقتصرًا على القمع التقليدي، بل امتد ليشمل أشكالًا أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل التكنولوجيا مع السياسة، وتتحول أدوات الاتصال إلى ساحاتٍ للصراع على الوعي.

لكن الخطر الأكبر ربما لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل فيما يمكن تسميته بـ"الانسحاب الصامت"، حيث يلجأ الصحفي إلى الرقابة الذاتية، لا خوفًا من المنع المباشر، بل تجنب لعواقب غير مرئية؛ من تشهيرٍ رقمي، إلى ملاحقاتٍ قانونية، إلى ضغوطٍ اقتصادية تهدد بقاء المؤسسات الإعلامية نفسها.

البقاء والتطوير 

وفي قلب هذا المشهد، تتراجع أوضاع المؤسسات الصحفية المستقلة، التي تجد نفسها محاصرة بين تراجع الموارد من جهة، وتصاعد المنافسة من منصات رقمية لا تخضع لنفس المعايير المهنية من جهة أخرى. وهكذا، يصبح البقاء ذاته تحديًا، قبل أن يكون التطور هدفًا.

ورغم كل ذلك، يظل هذا اليوم مناسبةً لتجديد الالتزام، لا بالمعنى الاحتفالي، بل بالمعنى الكفاحي للكلمة. إنه دعوة لإعادة بناء الثقة بين الإعلام والجمهور، وإعادة تعريف العلاقة بين الصحافة والتكنولوجيا، بما يحفظ جوهر المهنة ويواكب تحولات العصر.

وقد لخّص أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة هذه الحقيقة بقوله إن جميع الحريات تتكئ على حرية الصحافة؛ عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها خلاصة تجربة إنسانية طويلة، أثبتت أن الكلمة الحرة ليست ترفًا، بل ضرورة.

مقابر مفتوحة للصحفيين

ولا يمكن تجاهل البعد الإنساني الأشد إيلامًا، حيث تحولت بعض مناطق النزاع إلى مقابر مفتوحة للصحفيين، في مشهدٍ يختلط فيه نقل الخبر بثمن الدم. هنا، لا تعود حرية الصحافة شعارًا، بل تصبح قضية وجود.

يزداد المشهد قسوة حين نتحدث بلغة الأرقام، فهناك صحفيون يدفعون حياتهم ثمنًا للحقيقة، ففي عالمنا العربي استشهد أكثر من 260 صحفيًا فلسطينيًا، و22 صحفيًا لبنانيًا منذ أكتوبر 2023 أثناء تأديتهم واجبهم المهني، ودفعوا ثمن انتصارهم للحقيقة، ودفاعهم عن حرية شعوبهم في مواجهة الحرب الصهيونية.

وهناك صحفيون آخرون يقبعون خلف القضبان، بينما يواصل كثيرون عملهم في بيئاتٍ لا توفر الحد الأدنى من الأمان. وتشير تقارير منظمة "مراسلون بلا حدود" إلى أن أكثر من نصف دول العالم باتت بيئة صعبة أو خطيرة للعمل الصحفي، وهو توصيف يحمل دلالاتٍ تتجاوز الأرقام إلى عمق الأزمة.

العنف الرقمي 

أما في الفضاء الرقمي، فقد اتخذت الانتهاكات شكلًا آخر، أكثر خفاءً وأشد تأثيرًا، خاصة على الصحفيات، اللواتي يواجهن أنماطًا من العنف الإلكتروني تتراوح بين التشهير، والتحرش، وصولًا إلى استخدام تقنيات "التزييف العميق" لتقويض مصداقيتهن أو استهدافهن شخصيًا. وهي ظاهرة تعكس تحولًا في طبيعة التهديدات، من القمع المباشر إلى الإيذاء المعنوي المنظم.

في هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي كعنصرٍ جديد في معادلة الإعلام، لا بوصفه أداةً محايدة، بل كقوة يمكن توظيفها لتشكيل الرأي العام، أو للتلاعب به. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يملك الحقيقة؟ ومن يملك القدرة على صياغتها؟

الكلمة الحرة 

تقف حرية الصحافة اليوم على حافة اختبارٍ حاسم: إما أن تنتصر لها المجتمعات فتحميها كركيزةٍ لا غنى عنها للديمقراطية والتنمية، أو تتركها فريسةً لعالمٍ تُدار فيه الحقائق من خلف الستار، وتُصاغ فيه الروايات وفق موازين القوة لا منطق الواقع.

وفي خضم هذا المشهد الملتبس، تظل الكلمة الحرة هي خط الدفاع الأخير… إن سقطت، لم يعد هناك ما يمكن أن يُستعاد، وإن صمدت، بقي الأمل في أن الحقيقة لا تموت، بل تنتظر من يملك شجاعة قولها.

للتواصل: [email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة