شعبية "لي" تتعاظم لإدانته محرقة غزة

3-5-2026 | 14:26

المقصود هنا هو الرئيس الكوري الجنوبي، لي جيه-ميونج، وقد كتبت عن مواقفه الجريئة مقالتين في الشهر الماضي، أولهما بعنوان: زعيم صريح وواسع الأفق (12 أبريل)، والثاني: لرئيس كوريا.. شكرًا للتذكير بمحرقة غزة (19 أبريل).

تعقيبًا على المقالتين، تلقيت رسالتين عبر وسائل التواصل الاجتماعي من سعادة السفير عبدالفتاح عزالدين، وصف فيهما الرئيس الكوري بأنه عاقل جدًا، ومبتكر، ويكافح -بذكاء- من أجل الوحدة مع الشطر الشمالي، لذلك فهو رئيس فريد من نوعه.

اليوم، أكتب عن الرئيس الكوري مرة أخرى، بعد مطالعة نتائج أحدث استطلاع لرأي مواطنيه في أدائه، وقد أظهرت وصول شعبيته إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، بنسبة 65.5%، منذ توليه مهام منصبه في شهر يونيو العام الماضي.

اللافت في نتائج الاستطلاع -التي نشرتها وكالة أنباء يونهاب (20 أبريل)- أن سر وصول شعبية الرئيس الكوري لأعلى مستوى لها على الإطلاق يعود لأمرين أساسيين، أولهما: بفضل الدبلوماسية والاقتصاد، ومعيشة الشعب وتأمين الطاقة، ثانيهما: تصريحاته المتشددة بشأن معاملة الكيان العنصري الصهيوني للفلسطينيين.

أبدأ بالسر الثاني، حيث الموقف الأخلاقي النبيل والجريء للرئيس لي جيه-ميونج، الذي كان قد ربط (عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 10 أبريل) بين جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان العنصري الصهيوني بغزة، والمحرقة النازية لليهود.

هذا الموقف الجريء للرئيس لي جيه-ميونج ينسجم -بكل تأكيد- مع اتجاهات الرأي العام الكوري الداعمة للحقوق الفلسطينية، وكذلك موقف سول الرسمي في دعم حل الدولتين، ولا تزال الآمال منعقدة لكي تعلن كوريا الاعتراف بدولة فلسطين رسميًا.

التاريخ يعطي نموذجًا مثاليًا لأوجه الشبه، التي مرت بها فلسطين وشبه الجزيرة الكورية من حروب ودمار وتقسيم نتيجة للاحتلال الأجنبي البغيض لكليهما، ويتطلع الفلسطينيون للحاق بكوريا في تحقيق الاستقلال والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.  

أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، صوتت كوريا الجنوبية على قرار أممي منصف، يدعو إلى حل الدولتين في فلسطين التاريخية، بدعم من 142 دولة. في الوقت نفسه، قدمت سول أكبر مساعدة مالية، تبلغ أكثر من 30 مليون دولار لدعم المؤسسات الحكومية الفلسطينية، إضافة لدعم المجالات التعليمية والثقافية. 

منذ أيام قليلة، أقامت الوكالة الكورية للتعاون الدولي (كويكا) حفلًا ختاميًا في رام الله لنتائج مشروع التحسين المتكامل للبيئة التعليمية بالضفة الغربية، الذي جرى تنفيذه على مدار 5 سنوات (منذ عام 2021) لضمان حق الفلسطينيين في التعليم.

هذا المشروع التعليمي المهم نفذته الوكالة الكورية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، انطلاقًا من قناعة مفادها أنه لا مستقبل بلا مدارس. وقد تجاوزت الجهود الكورية مجرد دعم البنية التحتية لتشمل بيئة تعليمية متكاملة لتمكين الأطفال الفلسطينيين من تحقيق أحلامهم بعد انقشاع الاحتلال الصهيوني.

بفضل المشروع، تم تجديد الفصول الدراسية، وتحسين دورات المياه، وإنشاء مختبرات لتعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في 70 مدرسة، مما أتاح لـ 20 ألف طالب وطالبة وعضو هيئة تدريس بيئة أكثر أمانًا ونظافة. أيضًا، جرى تطوير الإرشادات لتعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتقديم برامج تدريبية لـ 500 مدير مدرسة و62 مشرفًا تعليميًا لتعزيز الخبرات التعليمية.

أعود للأسباب الداخلية التي رفعت -بقوة- شعبية الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونج، إلى أعلى مستوى على الإطلاق، وقد أظهر استطلاع حديث للرأي نشرته يونهاب (24 أبريل) أن 6 من كل 10 كوريين جنوبيين يؤيدون سياسات التعايش السلمي وجهود استعادة الثقة التي ينتهجها لي تجاه الشطر الشمالي بشبه الجزيرة.

في الوقت نفسه، يؤيد المشاركون الكوريون -في نتائج الاستطلاع- تعهد الرئيس لي جيه-ميونج باستبدال حالة الهدنة الحالية مع الشمال بمعاهدة سلام دائمة. وفيما يتعلق بالحاجة إلى توحيد الكوريتين، رأى 65.9% أنها ضرورية، فيما نظر إليها نحو 46% بعداء وريبة، وذكر نحو 42% أن الشمال شريك للتعاون والمساعدة.

الأهم من كل ما سبق، بخصوص سر ارتفاع شعبية الرئيس الكوري الجنوبي إلى أعلى مستوى على الإطلاق هو -في رأيي- الدعوة التي وجهها إلى للبرلمان الكوري للبدء فورًا في اتخاذ الإجراءات لتعيين محقق خاص تتركز مهمته في التحقيق في كل ما يتردد أو ينشر عن قضايا سوء سلوك الرئيس (نفسه) أو عائلته أو أقاربه.

بالتالي، يفي الرئيس لي بتعهد قطعه على نفسه في حملته الانتخابية، بتعيين مثل هذا المحقق الخاص، لتعزيز الانضباط بين المسئولين الحكوميين، ولرفع وتعزيز مستوى الشفافية في شئون الدولة الكورية. علما بأن المنصب كان قد تم أنشاؤه في عهد الرئيسة الكورية السابقة، بارك كون-هيه، وقد ظل شاغرا منذ عام 2016.

في كلمته بمناسبة الاحتفال بثورة 19 أبريل، أكد الرئيس لي أن المثل الديمقراطية العليا ساعدت كوريا الجنوبية لكي تصبح قوة ثقافية رائدة، وواحدة من بين أكبر 10 اقتصادات عالمية، كما أثبتت أنها الأكثر فعالية لكرامة الفرد، ولمعيشة الشعب.

بقيت الإشارة لتقرير صندوق النقد الدولي، بخصوص التوقعات حول آفاق الاقتصاد العالمي، حيث من المتوقع وصول نصيب الفرد الكوري من الناتج المحلي الإجمالي في هذا العام (2026) إلى 37.4 ألف دولار سنويا، بزيادة نسبتها 3.3% مقارنة بالعام الماضي 2025. وتوقع الصندوق أن تتجاوز كوريا مستوى 40 ألف دولار في2028، وأن يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 40,7 ألف دولار.

تلك هي الخلاصة وراء ارتفاع شعبية الرئيس الكوري، لي جيه-ميونج، لأعلى مستوى على الإطلاق، وهي -في الحقيقة- متوقعة، ومستحقة، لحقوقي وسياسي عصامي، صعد درجات السلم، بدءًا من وظيفة صبي عامل في مصنع ليصبح رئيسًا لجمهورية كوريا، وهو ما نوهت إليه -تفصيلا- في مقال سابق (7 ديسمبر 2025).

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة