معذرة سأبدأ بالسؤال الخطأ الذي لا يصح أن يطرح في بلد يسعى إلى بناء دولة القدرات الشاملة، لكن قدر عليها في عصر السوشيال ميديا التي أتاحت للبعض أن يتحولوا إلى خبراء بلا علم ونقاد بدون موضوعية أن يسودها بين حين وآخر جدل مع كل مشروع كبير يتم الإعلان عنه حول جدواه للمجتمع، ويتمادى في الحديث أباطرة التنظير للحد الذي يتدخلون فيه بقرارات أصحاب المال، وكأنهم أحرص على هذا المال منهم، في مفارقة غريبة ومدهشة تعكس عبثية فاضحة في التعاطي مع قضايا اقتصادية إستراتيجية وتدخلًا سافرًا في حرية الاستثمار ومساسًا غير مسئول بمناخ الاستثمار.
فما كاد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن يعلن عن مشروع جديد مؤخرًا بقطاع التنمية العقارية بالشراكة مع إحدى شركات القطاع الخاص باستثمارات تقدر بنحو ١.٤ تريليون جنيه حتى انهالت على الحكومة الاتهامات من كل صوب وحدب بأنها تبدد الاستثمارات في مجالات لا تحتاجها البلاد، وكان يجب أن تذهب أموال هذا المشروع لبناء مصانع بدلا من العقارات، التي أصبح سوقها يعاني من فائض على حد قولهم فيما ذهب البعض إلى القول بأنه كان يجب بناء مدارس أو مستشفيات بدلا من العقارات!!
ومع تقديري لكل هذه الآراء والمقترحات فهي تفتقد إلى الحد الأدنى من أسس ومبادئ اقتصادية متعارف عليها، وهو ما يعكس أزمة وعي يعاني منها المجتمع، ولا أبالغ إذا قلت إنها في غالبيتها تحركها نوازع سياسية هدفها تشويه صورة الاستثمار في مصر، وضرب أي منجزات تحدث على أرض هذا الوطن، فقد سمعنا مثل هذه الأحاديث العبثية تجاه العديد من المشروعات التي تم تنفيذها، وثبت مع الوقت صحة القرار، وكم كانت ضرورة حتمية في تنمية المجتمع ونهضته الاقتصادية.
وبداية هل مطلوب من الدولة حين يتقدم لها مستثمر لإقامة مشروع ما في قطاع ما أن تتدخل وتفرض عليه الاستثمار في مجال آخر تريده هي؟! يعني لو مطور عقاري كل استثماراته منذ عقود في هذا القطاع وأراد ضخ فائض أمواله في مشروع جديد بنفس القطاع الذي يفهم فيه هل يحق للدولة التدخل وتقول له كفى عقارات، واستثمر في الصناعة؟!
المؤكد أن هذا التصرف غير وارد من أي حكومة في العالم لديها قانون ودستور يكفل حرية الاستثمار، كما لا يوجد مستثمر في العالم يقبل الدخول في أي مشروع إلا إذا كان نابعًا من إرادة خالصة له، وتتوافر له الضمانات الكافية التي تحقق له الربحية والنجاح، فالصناعة لها رجالها الذين يعرفون كيف ومتى يستثمرون فيها، وكذا العقارات والزراعة وغيرها كل له وجهته التي يرى فيها ربحيته.
ويقينًا فإن قطاع الصناعة له أهميته ودوره المحوري في الاقتصاد؛ فهو يجب أن يكون رافعة أساسية للتنمية الشاملة لا يمكن إغفالها، كما هو قطاع العقارات، وقطاعات السياحة والزراعة والنقل وغيرها من قطاعات أساسية؛ فهي كلها روافع أساسية في التنمية الاقتصادية التي يجب العمل عليها وتعظيمها؛ للوصول إلى هدف بناء دولة القدرات الشاملة التي تسير بخطى ثابتة تستحق الدعم والمساندة، في ظل تحديات جسام تفرضها التوترات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة والعالم.
مصر ستدرك النهضة التنموية الشاملة المنشودة حين تتحرك كل المجالات الإنتاجية والخدمية، وتتدفق إليها أموال القطاع الخاص.
والحقيقة التي لا يعلمها أولئك المنظرون أن التدفقات الاستثمارية الكبرى في القطاع العقاري هي نتاج للتطور الكبير الذي شهدته مصر في التنمية الاقتصادية، كما أن الحقيقة الغائبة أيضًا أن كل القطاعات تتكامل مع بعضها، بل وتجر بعضها البعض، فالنمو الصناعي يرجع في جانب منه إلى تطور القطاع العقاري؛ حيث ازدهرت صناعة التشييد والبناء وحققت معدلات نمو غير مسبوقة خصوصًا صناعة الحديد والأسمنت ومواد البناء الأخرى، بل تحولت مصر من خلال التصنيع إلى التصدير في مواد البناء؛ بفضل نمو وتطور قطاع العقارات.
حقيقة ثالثة ترد على الذين يتجاهلون تطورات محورية في الاقتصاد الوطني وهي أن معدل نمو القطاع الصناعي حقق أرقامًا قياسية كبيرة بلغت في بعض الفترات 18%، وهي نسبة تفوق نمو القطاع العقاري، بينما سجلت أحدث البيانات ربع السنوية نموًا بنسبة 9.8%.
بل إن نحو 20% من نمو الاقتصاد المصري يعود مباشرة إلى النشاط الصناعي، كما تشير إحصاءات حكومية إلى أن ثلث الأيدي العاملة المصرية تعمل بقطاع الصناعة.
لكن السؤال هل قطاع الصناعة وصل إلى الحد الأقصى من التطور، ولا يواجه معوقات؟ المؤكد الإجابة بالنفي فما زال هذا القطاع في حاجة إلى مزيد من المحفزات لاستقطاب رؤوس الأموال في مشروعات صناعية تغطي كل الأقاليم والمحافظات وتدعم الاقتصاد الوطني، ولعل العمل على تشجيع المشروعات الصناعية الصغيرة أصبح ضرورة بعد أن ثبت في كل تجارب العالم أن هذا القطاع الصناعي هو أقرب الطرق وأسهلها لبناء قاعدة صناعية قوية يمكن أن تحدث انطلاقة اقتصادية وتوفر مظلة تأمين موثوق فيها للاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات الطارئة.
..الخلاصة أن مصر في حاجة إلى المزيد من المليارات التي تتدفق إلى العقارات والصناعة والزراعة والسياحة وغيرها من قطاعات ترسم في مجملها صورة اقتصاد قوي يمتلك كل مقومات القدرات الشاملة التي تليق باسم مصر.
حفظ الله مصر وجيشها العظيم
[email protected]