الجدال.. دليلك لإدارته ومنع خسائره

2-5-2026 | 12:34

إن لم تتقن إدارة الجدال تحكم بك واستنزف طاقاتك وتسبب في خسائر كثيرة؛ منها إفساد بعض علاقاتك مع من يهمك أمرهم وإضاعة أوقات غالية من العمر في مضايقات تستطيع تجنبها، وأحيانًا صنع عداوات..
كما أنه يخصم من طاقاتك التي تستطيع "ادخارها" في تحقيق نجاحات تسعدك وترضيك أو مساعدة من تحب فضلًا عن الاجهاد النفسي والذهني الذي يصاحب "التمادي" في الجدال.

يلجأ البعض أثناء الجدال إلى محاولة فرض رأيه متجاهلًا أن الإجبار يأتي دومًا بنتائج سيئة؛ فلا أحد يقبله وإن تظاهر بغير ذلك.

يجب ألا يكون الهدف إثبات خطأ من تحاوره بل عرض وجهة نظرك باختصار، وتجنب تسفيه الرأي الآخر أو التقليل منه، وقل: أعرف أن هناك من يثق بصحة هذا الرأي واحترم الاختلاف؛ فقط أود توضيح كذا وكذا.

بهذا الأسلوب ستظهر الاحترام لمن تحاوره وتنزع منه "التحفز" وتنبه ولا تسمح بالاستفزاز، ولا ترد بالأسوأ وبالطبع لا تقبل الإهانة ورد بحزم دون تصعيد، وسارع بإنهاء الكلام ولا تسمح بالتمادي في الإساءات.

يكثر الجدال على وسائل التواصل الاجتماعي ويتطور أحيانًا ليصل إلى تبادل الاتهامات والكلمات المسيئة، ويتدخل أطراف لا علاقة لهم بالأمر؛ كل منهم يناصر الرأي الذي يمثله من يعرفه، وتتسع دوائر الجدال بلا مبرر، 
نوصي بتجنب الجدال عامة، وفي وسائل التواصل "يسهل" ذلك بحذف أو إخفاء الرأي الذي لا يعجبنا ولن يظهر التعليق لأحد، وبذا نقضي على أصل الجدال.

أما إذا كنا "نهتم" بصاحب الرأي، فيمكن قول كلمات قليلة جدًا "ومنع" الاستدراج للجدال.

الجدال من أهم أسباب الخلافات الزوجية؛ حيث "المكابرة" من الزوجين أو من أحدهما، ورفض الاعتراف بالخطأ، مع أنه من الذكاء ويقلل الخسائر، بينما الجدال يوسع دائرة الخلاف؛ كمن يسكب البنزين على نيران مشتعلة بدلًا من المسارعة بإخمادها.

لا ننادي بالصمت وعدم إبداء الرأي بالطبع هربًا من الجدال، فلابد من الاحتفاظ بالرأي الذي "ثبت" لنا صحته وعدم التنازل عنه، ونحذر فقط من الجدال الذي يتعدى توضيح الرأي إلى الحدة والخصومة.  

السيئ أن يتحول إلى صراع والابتعاد عن رؤية الصواب في الرأي الآخر واعتبار المسألة تحديًا أو اعتداء على الكرامة.

من أسباب الجدال الرغبة في الانتصار على الطرف الآخر وهزيمته، وتحويل الاختلاف في الرأي كمعركة، ومن الذكاء تجنب ذلك وحصر الأمر في خلاف "عابر" يمكن تجاوزه أو تقليل التعامل مع الطرف الآخر دون صنع ضغينة.
 
يختار البعض التمادي في الجدال "هربًا" من دفع ثمن خطأ ارتكبه، والأذكى عدم مضاعفة "الفواتير"، فالجدال لم يحل يومًا أي مشكلة، بل يوسع الصدام ويقلل فرص تسامح الطرف الآخر؛ لأنه يتأكد أن المجادل يتعامل معه وكأنه غير ذكي فيستفزه ذلك ويدفعه للرد بالأسوأ، ومن الذكاء تجنب ذلك.

قال رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا"، ومعنى الحديث الشريف: أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" ضامن وكفيل بقصر في الجنة لمن ترك الجدال وإن كان على صواب منعًا للتشاحن.

يختار البعض الجدال مع إهانة الطرف الآخر، بمنطق "ما هي كده كده خربانة" أي عند الوصول إلى طريق مسدود في الحوار؛ ولا نرحب بذلك، فلا يوجد أي مبرر لصنع عداوات ومن الذكاء تجنبها.

والمؤكد أن إنهاء الجدال بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، اختيار أفضل "وأذكى"، وقد يدفع الطرف الآخر لمراجعة نفسه ولو بعد حين؛ وإن لم يفعل فهذا شأنه، ولسنا أوصياء على الناس، فمن حق كل إنسان أن يفكر كما يرغب أليس كذلك؟ ومن حقنا على أنفسنا "احترام" طاقاتنا وعدم بعثرتها.

يحدث الجدال أحيانًا ويتطور إلى خصومة بسبب الاختلاف على تقييم فريق كرة أو شبكة اتصالات أو ما شابه ذلك؛ والأفضل تذكر أن ليس كل ما يُقال "يستحق" الرد؛ ليس من قبيل التعالي بالطبع؛ ولكن لترتيب الأولويات بذكاء وعدم إفساد العلاقات بأمور يسهل تجاوزها.

من أسباب تصعيد الجدال اعتبار "الفوز" به وكأنه مسألة حياة أو موت أو كأن عدم الفوز "يهدد" الكرامة الشخصية أو يثبت ضعف الرأي؛ والأمر أبسط من ذلك بكثير؛ فلسنا في ساحة معارك بل في حوار، وحتى إذا كنا على يقين تام بصحة الرأي فلا بأس إن لم يتفق معنا الآخرون فلندعهم لشئونهم ونهتم بما يفيدنا دون الإساءة إليهم، وحتى لا نبدو "أسوأ" دعاية للرأي الذي نمثله ونتحمس له أيضًا.

وكي لا ندفعهم للعناد بينما التعامل بلطف أفضل للجميع؛ فلن نجهد أنفسنا نفسيًا وجسديًا بالانفعال الزائد، ولن نضايقهم بكلام يؤذيهم ونبقي على مساحة من الود الإنساني نحتاجها جميعًا وسط زيادة التباعد في العلاقات الاجتماعية بأنواعها. 

مع ضرورة طرد الإعجاب بالنفس والسجود شكرًا للرحمن الذي هدانا للتفكير الأفضل ونوصي بالدعاء لهم بالهداية ولأنفسنا بالحماية من الفتن بكل أنواعها.

ولندخر الفوز لأمور تستحق كالنجاح في الحياة وهو لا يقتصر على العمل والدراسة فقط ويتعداه لإقامة علاقات إنسانية ناجحة تبتعد عن الصراعات التي تستنزف وتخصم وتهتم بما يضيف إلى الجميع ويسعدهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: