لماذا نقرأ التاريخ وكأننا في محكمة؟!

2-5-2026 | 12:35

كل أمة تحمل تاريخها كما تحمل روحها بين الضلوع.. تستظل بمجده حين يضيق بها الحاضر، وتنزوي في ثنايا جراحه حين يؤلمها السؤال.

لكن التاريخ ليس معطفًا نرتديه حين نشاء ونخلعه حين نشاء، التاريخ نهر يمشي بنا ونمشي به، هو أعمق من ذاكرة، وأوسع من سجل انتصارات وهزائم.. هو مرآة الروح.

جرب أن تنظر في المرآة ساعة الغضب، فإنك لا ترى وجهك الحقيقي.. ترى انعكاس غضبك. هكذا بالضبط يفعل كثيرون حين يقرأون تاريخهم الإسلامي.. يقفون أمامه بكل ما يعتمل في صدورهم من غضب أو حنين أو خوف، فلا يعود التاريخ مرآة، لكن يصير سيفًا يشهر في وجه سؤال لم نعد نملك شجاعة مواجهته.

التاريخ الإسلامي.. كم في هذه الكلمة من رهبة. كأنك تفتح مصحفًا لا كتاب سيرة، وكأن الرجال الذين ساروا على الأرض فيه لم يكونوا بشرًا يتنفسون ويمشون في الأسواق. 

السلف الصالح كانوا صالحين لأنهم كانوا صادقين مع أنفسهم أولًا.. كانوا يخطئون فيستغفرون، لا ينكرون الخطأ، ويختلفون فيجتمعون، لا يتفرقون. هذه هي العظمة التي نبحث عنها ولا نجدها لأننا نبحث في المكان الخطأ. نبحث عن ملائكة فنخسر البشر، وهم الذين قال عنهم ربهم: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}.

في تراثنا منهج عجيب، لو تأملناه لارتحنا. جرب أن تقرأ ما كتب الطبري عن موقعة الجمل وصفين.. إنه يسرد الروايات كلها. التي ترضي عليًا، والتي ترضي طلحة والزبير، والتي تنتصر لمعاوية، والتي تنتصر للسيدة عائشة. يسرد ويسكت. كأنه يهمس في أذنك: أيها القارئ، هؤلاء بشر.. افهمهم بعقلك لا بتعصبك. أما ابن خلدون فكأنما يمسك بيدك ويقول لك لا تنظر إلى الحادثة وحدها، انظر إلى يد القدر كيف تعمل في قوانين الاجتماع والعمران. هذا هو العقل المسلم حين يعمل في التاريخ.. عقل يبحث عن الحقيقة لا عن السيف الذي يقطع بها رقاب المخالفين.

لماذا نضيق اليوم إذا قيل لنا إن عثمان بن عفان كان له اجتهاد وأخطأ فيه معاوية.. أو علي بن أبي طالب في خلافته واجه ظروفًا لو واجهها غيره لكان له اجتهاد آخر؟ أتظن أن هذا يطعن في قدرهم عند الله؟ بالله عليك، أأنت الذي ستوزع درجات الجنة؟ التاريخ ليس سجل تقوى، بل سجل عمل بشر. العمل البشري يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، ولو كان الصحابة لا يخطئون لما احتاجوا إلى رسول يعلمهم ويربيهم.

العبرة يا صاحبي ليست في أن يكون أبطال تاريخك كاملين.. العبرة في أن ترى كيف كانوا حين يخطئون.

انظر إلى عمر بن الخطاب وهو يتراجع عن رأيه أمام امرأة في المهر.. هذا هو المجد، لا أن تدعي أنه لم يخطئ قط. 

وانظر إلى علي وهو يقول: "لا تكرهوا إليكم إمارة معاوية، فوالله لو ذهبتم من تحت قصورهم لما ذهبوا من تحت قصوركم".. هذا هو الفقه، لا إسقاطات الحاضر على الماضي.

بعضنا يقرأ التاريخ وقلبه مملوء بالخوف. خائف من أن يكتشف أن أبطاله بشر.. وكأن البشرية عيب. ويا للمفارقة، هو نفسه بشر يخطئ كل يوم ويصيب، ويغضب فيسيء ويحزن فيظلم، ثم يستغفر ويعود.. فلماذا يحرم أسلافه من هذه الدورة الإنسانية الرحبة؟!

وقضايانا الإشكالية الكبرى.. تلك التي صارت علامات طائفية لا علامات تاريخية.. ما أسهل أن نحاكم الماضي وأن نستخرج الأحكام ونحن جالسون على مقاعدنا المريحة، وبين أيدينا كل ما حدث، ونحن نعرف كيف انتهت القصة! 

الذي يعرف نهاية الفيلم لا يصيبه القلق في منتصفه. أما الذين عاشوا الأحداث فكانوا في غمرة الدم والغبار والدخان، يرون قطعة من الصورة ويسدل الليل ستره على الباقي. ظلم أن نحكم عليهم ونحن نملك ما لم يملكوا: خاتمة القصة.

القرآن الكريم يعلمنا منطقًا آخر: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. اسمع هذه الآية بقلبك لا بأذنك فقط. 

الماضي مضى بحلوه ومره، أهله في ذمة الله، يسألهم وهو أرحم بهم منا. أما نحن فمسئولون عن حاضرنا، عن بغضنا وحبنا، عن تعصبنا وتسامحنا، عن ظلمنا وعدلنا. 

كم من إنسان أدان الماضي وهو يغرق في ظلام حاضره إلى أذنيه!! لكن، هل يعني هذا أن نترك التاريخ بلا فهم أو نقد؟ كلا. 

التاريخ لكي يفهم لا لكي يدان. أن تفهم يعني أن تضع الحدث في سياقه، أن تلم بظروفه، أن ترى فيه الوجوه المتعددة، أن تسمع كل الأطراف، ثم بعد ذلك لا تحكم.. بل تعتبر. {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. تفكر لا تخاصم. اعتبار لا ادعاء. فالمؤرخ المسلم القديم كان فقيهًا ومحدثًا قبل أن يكون مؤرخًا. 

الأمانة العلمية في نقل الرواية، ونقد السند، وبيان حال الرواة.. كل هذا علمه إياه الحديث النبوي. لهذا ترى كتب التاريخ عندنا تسند الخبر كما يسند الحديث. يذكرون الإسناد ليقولوا لك: هذه رواية لا وحي، وهي تحتمل الصدق والكذب، فأنت حر في قبولها أو ردها بالحجة. 

هذه الحرية رائعة، لكنها تحمل مسئولية ثقيلة.. كنت في الماضي تترك الروايات تتصارع ليظهر الحق، أما اليوم فتختار ما يعجبك وتسميه حقًا وتسقط ما يغضبك وتسميه باطلاً.

في أعماق كل منا حاجة إلى اليقين، إلى أن يعرف أن فريقه على صواب منذ الأزل وإلى الأبد. وهذه الحاجة هي أخطر ما يهدد قراءة التاريخ. لأن التاريخ ليس فريقين، التاريخ نسيج معقد، فيه خيوط من نور وخيوط من طين، ومن ينتزع خيطًا يخرب النسيج كله.

ما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ تاريخنا الإسلامي بروح المتصوف لا بروح المقاتل. بروح من يدخل المسجد لا بروح من يقف على الثغور. بروح من يبحث عن الحكمة لا بروح من يبحث عن الذخيرة. فالذين عاشوا قبلنا رفعوا أيديهم إلى الله وسألوه المغفرة والرحمة.. هل تظن أن الله ينتظر شهادتك أنت ليدخلهم الجنة أو يطردهم منها؟ هو أعلم بهم، وأرحم، وأحكم.

اجعل من قراءتك للتاريخ عبادة.. عبادة تأمل في سنن الله، وعبادة استغفار للموتى، وعبادة عزم على أن تكون في حاضرك خيرًا مما كانوا في ماضيهم لا كبرًا عليهم، بل رغبة في أن تكمل مسيرة إنسانية بدأوها. 

التاريخ وقود والقارئ هو المحرك.. إما أن يسير به إلى نور الحكمة، أو يحرق به حقول الحاضر. والاختيار لك وحدك، والقلب بين يدي صاحبه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: