كان أبو العباس السفاح، مؤسس الدولة العباسية، يخاف من الكلاب.. مفارقة لا تخلو من سخرية: رجلٌ سُمّي بالسفاح، لكنه يرتجف من نابٍ صغير.. وفي أواخر أيامه، كان يرى في منامه كأن كلبًا يعقره.. رؤيا فسّرها معبّرو زمانه بأنها نذير انتقال المُلك أو انقضاء العمر، وكأن الحلم لم يكن إلا رسالة مختصرة: العَقر نهاية.. والسلطة عابرة.
لكن، ماذا لو عاش هذا الخليفة بيننا اليوم؟ ماذا كان سيفعل بالكلاب وهذه سيرته مع البشر.. ماذا لو سمع تصريح وزارة الصحة والسكان المصرية عن تسجيل نحو مليونٍ وأربعمائة ألف حالة عقر في عام 2025، بعد أعوام سبقتها أرقام لا تقل فزعًا؟ هل كان سيكتفي بالحلم.. أم سيعتبر الواقع كابوسًا يقظًا؟.. أو يحول الكلاب لبشر ويسحقهم؟!
الحقيقة أن الخوف هنا لم يعد رؤيا تُؤوَّل، بل رقم يُحصى!.. لماذا لا أدري؟!
الإنسان المصري لم يعد يخاف من الكلب وهو نائم، بل وهو يمشي، يجري، أو حتى يقف على ناصية شارع.. وكأنه لم يكتف من شقائه اليومي حتى تخرج له مشكلة أخرى لم تكن في الحسبان.. أن يتحول "الكلب الوفيّ" إلى تهديد، وأن ينقلب "الحارس" إلى خطر طليق.. هي معادلة قاسية: صديق الأمس.. بلاء اليوم.
وللمسألة وجهٌ آخر لا يقل وطأة: كلفةٌ تستنزف من جسد الدولة وجيب المواطن.. 1.7 مليار جنيه وفقًا للأرقام الرسمية، تُنفق على الأمصال واللقاحات، لعلاج جرحٍ ما كان ينبغي أن يُفتح أصلًا، لو حَسُن التدبير.. نحن لا نعالج المرض هنا، بل ندفع ثمن تأجيل علاجه.
ومن زاوية الفقه، اختلف العلماء في اقتناء الكلاب: بين مُجيزٍ ومُقيِّد. لكنهم اتفقوا -بلا جدال- بإجماع على حكم الكلب العقور: يُدفع خطره.. بل توسّع بعضهم، فلم يحصر الأمر في العقر وحده، بل في كل أذى لا يُؤمَن شرّه؛ فـحفظ النفس مُقدَّم على أي شيء، وهو من الضرورات الخمس الكبرى التي تقوم عليها الشريعة.
والغريب.. بل المُحيِّر.. أن يرتفع صوتٌ يدافع عن الكلب العقور، بينما يخفت حين يتعلق الأمر بحياة الإنسان.. وخاصة الأطفال.
الغريب أن نتحمس للفرع، ونغفل الأصل.. أن نناقش الرحمة في غير موضعها، فنقسو حيث يجب أن نرحم.
ثم إن الخطر لا يقف عند "الكلب العقور" فقط.. الكلاب الضالة، هي الأخرى خطر مستفحل، في زحام المدن وفوضاها، قد تُصدِرُ سلوكًا عدوانيًا غير متوقع.
والخوف هنا ليس من نابٍ ظاهر فقط، بل من فوضى كامنة وسط الزحام.. الخوف من احتمالات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قد تُفاجئ المواطن الذي بالأساس محمل بأعباء الحياة الكثيرة.
ولعل الجاحظ، في كتابه الحيوان، كان أكثر قدرة على الشرح، حين وصف فزع العرب من ناب الكلب، كما يفزعون من حدّ السيف.. ولهم كل الحق في الفزع.. لم يكن لديهم مصلٌ ولا علاج.. لكنهم امتلكوا شيئًا آخر: تحسس الخطر.
وتبقى علامات الاستفهام.. هل تقدّمنا حين صار لدينا علاجٌ للعضّة؟! أم لم يعد يهمنا لا الأموال ولا الأرواح؟!