تأخر حبيب يومًا في إحضار طعام العشاء، فسأله الإمام الحسن البصري، رحمه الله:
أين العشاء ياحبيب؟ فقد أهلكنا الجوع!!
فقال: يا إمام، لقد مرَّ ببابنا مسكين، فأعطيتُه كلَّ ما عندنا، لأنني سمعتُك تقول: إنَّ من ضعف اليقين، أن تكون بما في يدك، أوثق بما في يد الله تعالى.
فقال البصري: يا حبيب، إنَّك رجل كثير اليقين، قليل العلم! لو أعطيتَه النصف، وتركتَ لنا النصف، نتقوى به؟!
وبينما هما كذلك، إذا بالباب يطرق، ففتح حبيب، فإذا بغلام يحمل إناءً، وقد امتلأ بما لذ وطاب من الطعام، قال: هذا هدية من سيدي للإمام! فتبسم حبيب، وقال: يا إمام، إنك رجل كثير العلم، قليل اليقين!
فتبسم الحسن البصري، وقال: يا حبيب، تقدمناك، ولكنك سبقتنا.
لما قال يعقوب: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ}.. ضاعَ يوسف، وأُصيبَ هو بالعمى، وحين قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.. عادَ له يوسف، وعادت عيناه مبصرتين!
يقول الصالحون: لو أن أحدَكم همّ بإزالة جبلٍ، وهو واثقٌ باللّهِ، لأزاله. وقال أحد العارفين: إني أدعو الله في حاجة، فإذا أعطاني إياها، فرحتُ مرةً، وإن لم يعطني، فرحتُ عشر مرات، لأن الأُولى اختياري، والثانية اختيار الله.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
لم يكن موسى، عليه السلام، يعلم أن الله سيشق له البحر، لكنه كان يعلم أن الله لن يتخلى عنّه.
ولم يدر بخلد أم موسى، أن نجاة ابنها، ستكون بإلقائه في اليم، وفيه نفسه سيغرق الملك الظالم المتأله، ومَنْ معه! لكنها كانت على ثقة من رحمة الله بها وبابنها..
لم يخشَ إبراهيم، عليه السلام، النار المشتعلة، التي أُلقي فيها، ولم يكن يعلم أن الله سيجعلها بردًا وسلامًا عليه! لكنه كان يعلم، تمام العلم، أن النجاة آتية لا محالة!
وحين تحركت سكينه على رقبة ابنه، نبي الله إسماعيل، عليه السلام، كان يعرف أنه سيقتله، لكنه كان واثقًا في حُسن تدبير الله جلت قدرته، وأنه سبحانه، لطيفٌ بعباده.
نجاة يوسف تتحقق، بالإلقاء في الجُب! وملكه يتشكل، بدخوله السجن!
مريم العذراء، ينطق الرضيع لها بالبراءة، ويتساقط الرطب عليها جَنيًا، بمجرد هز جذع النخلة!
لم تكن هناك نخلة، بل كان جذعًا فقط، ولم يكن هذا موسم الرطب أصلاً!
يصل المشركون إلي باب الغار! يخاف الصديق على نبيه ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وهو (صلى الله عليه وسلم) الذي يربط على قلب الصديق، ويطمئنه، ويقول له: يا أبا بكر، ما ظنُك باثنين، الله ثالثهما.
لسان حالهم جميعًا، حُسن الظن بالله، واليقين الكامل في نصره وسنده ومدده، فهو وحده المعبود والمقصود، وإليه يفزع المؤمنون، وعليه يتوكل الصادقون: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ}..