أن تجد نفسك يومًا تقف وحيدًا مطالبًا بتنفيذ أمر ما وتحقيق نتيجة.. ليس أمرًا غريبًا، وليس غريبًا أن تجد حولك من يرغبون في تحقيق نفس الهدف، الغريب أن تجد بين هؤلاء من يتزاحمون ويتدافعون وربما يتقاتلون للوصول إلى هدفهم بأي شكل، بكل السبل وأيًا كانت الوسيلة!
انتبه فهي لحظة استثنائية.. لحظة اختبار لقدرة الإنسان على الصبر وقوة التحمل والصمود، عندما تجد نفسك محاصرًا بالأزمات من كل جانب ولا تدري ماذا تفعل. لحظة اختبار لقوة إيمانك وجلدك والكل يزاحمك وينطحك ويسبك ويسب أجدادك وأسلافك، لا لشيء إلا لأنك فكرت واقتنعت واخترت أن تتبع القواعد والأصول وتفعل الصواب!
في ذلك الموقف.. لا تقلق طالما حددت مسارك والتزمت به، فسوف تحين فرصتك وتصل إلى وجهتك، لا ترتعد إن رأيت من يقفز في الهواء من على يسارك أو يمينك يكاد أن يطيح بك ليمر قبلك، فهكذا يفعلون، لا تهتم ولا تلتفت، فقط الزم مسارك ولا تقلق فسوف تصل.
الكلام رائع والنصيحة منطقية، لكن المشكلة أن الطريق ما زال يكتظ ويكتظ بالمتزاحمين، لا يمل ولا يكتفي وأنت عالق في وسطه، لا تستطيع أن تتحرك يمينًا ولا يسارًا! العجيب أن هذا الكم في حد ذاته ليس مشكلة لو أدركوا أنهم جميعًا سوف يصلون، المشكلة في الفجوة الزمنية والمكانية والفكرية التي تحكم الموقف! المشكلة فيمن يعلم لكنه يأبى إلا أن يحاول المرور من أي ثقب وبأي طريقة! وأنت يا من قررت السير بمنتهى العقلانية، تنظر حولك وتفكر وتقرر أن المنطق يفرض عليك ألا تزاحم، ألا تخالف القواعد كما يفعلون.
لكن أحدهم كان له رأي آخر، وجده يمر إلى جانبه منطلقًا بسيارته الفارهة، كانت السيارة تقفز قفزات متتالية مثل "اليويو"، ولكن بعصبية وعنف شديدين! لا لوم عليه بالطبع فقد كان يحاول جاهدًا أن "يسرق" الطريق "واحدة واحدة" كما يقولون ليمر وسط هذا الزحام الذى يرفض بل لا يتصور أن يكون له مكان فيه.
وخلافًا لكل قواعد المنطق ينجح الرجل في المرور، ليس ذلك فقط بل إنه يسد الطريق تمامًا أمام الآخرين! وبرغم كل ما سمع من سباب ولعنات، صبر الرجل وثابر واستمر في طريقه إلى أن نجح في تحقيق هدفه ومر في سلام. ثم تبعه آخر بسيارته ليسد الطريق من الجانب الآخر، وياليتك رأيت نظرة الفخر والانتصار على وجهيهما وكأنهما يقولان "نحن هنا يا سادة"، هل تتصورون أن لكم مكانًا بيننا؟!
وبينما كان ينظر إليهما متعجبًا من أمرهما الغريب ومنطقهما العجيب، وجد كمًا هائلًا من الأصوات تلومه وتعاتبه؛ لأنه لم ينتهز الفرصة ويسرع خلف من استطاعوا سرقة الطريق ليلحق بهم قبل أن يسرق آخرون منه الطريق ويتعطل أكثر وأكثر! وفي نفس اللحظة التي كاد يلوم فيها نفسه لتقصيره في سرقة الطريق، لمح حوله من ينظرون إليه شذرًا محذرين ومهددين من أن يخطو خطوة واحدة من مكانه.
وفجأة وجد أن كم من تراكموا حوله قد تزايد بشكل مفزع، فقرر فورًا أن ينسى منطقه بعض الوقت، وأن ينتهز أول فرصة ويحاول ويجتهد ويثابر ويصبر ويبحث كل السبل التي يمكن من خلالها أن "يسرق" الطريق "واحدة واحدة"، متحملًا كل الصعاب أسوةً بما فعل الزميل المجاهد منذ لحظات.
وبمجرد أن قفز بسيارته "ليسرق" الطريق إلا وتعطلت سيارته، وكأنها تأبى اتباع منطق صاحبها، فوجد من خلفه يسبونه ويلعنون أجداده لعدم مهارته في "سرقة" الطريق.. أيها الغشيم السرقة لها مواصفات وتعليمات لا بد وأن تلتزم بها.
ووقف حائرًا.. ماذا أفعل؟!
وجد أحدهم ينظر إليه من شباك سيارته ملوحًا له بيده: يا أستاذ لقد سددت الطريق علينا، ومن خلفه آخر يلوح بيديه: يا أستاذ لماذا تقف هكذا؟! هيا تحرك!!
ماذا أفعل؟! كيف وإلى أين أتحرك؟! هل أنا من سد الطريق وعطلكم؟!
وعندما حاول شرح منطقه، قال له أحدهم بمنتهى الأدب: "اتكل على الله يا عم الحاج، كل سنة وأنت طيب".