قطر في حسابات التصعيد الإيراني.. تفاعلات الحرب وحدود الوساطة

29-4-2026 | 16:44

أقدمت طهران على استهداف قطر في حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة منذ جولتها الأولى في يونيو 2025 خلال حرب الـ 12 يومًا باستهداف قاعدة العديد الأمريكية، وواصلت الضربات لقطر باستهداف قواعد أمريكية وحقول نفطية في الجولة الثانية من الحرب التي امتدت لـ 39 يومًا قبل الاتفاق على وقف إطلاق النار، وذلك على الرغم مما تتسم به العلاقات الثنائية بين البلدين من طابع براجماتيٍ، والدور القطري النشط في الوساطة في عدد من الملفات المرتبطة بإيران.

وقد أثار هذا التطور تساؤلات حول منطق السلوك الإيراني، وحدود إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الخليج، فضلاً عن تداعياته على الأمن الإقليمي وأدوار الوساطة. إذ إن الاستهداف الإيراني لقطر ضمن باقي دول الخليج يعكس تحولاً إستراتيجيًا في العلاقات مع قطر، وتوظيفًا جيوسياسيًا لموقعها ووظيفتها ضمن بنية التوازنات الإقليمية.

اتسمت العلاقات الإيرانية–القطرية قبل اندلاع الحرب بجولتيها بطابع مركبٍ يجمع بين التعاون البراجماتي والحذر الإستراتيجي؛ إذ حافظ الطرفان على مستوى مرتفع من التنسيق السياسي والاقتصادي، مستندين إلى مصالح مشتركة، لعل أبرزها إدارة حقل الغاز المشترك "بارس" الذي يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد البلدين، إلى جانب تنامي التبادل التجاري والزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وفي الوقت ذاته، لعبت الدوحة دورًا دبلوماسيًا متوازنًا، سعت من خلاله إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، بل والقيام بأدوار تهدئة غير مباشرة في أزمات إيران مع الولايات المتحدة، وهو ما عزز موقعها كوسيط إقليمي.

غير أن هذا التقارب ظل محكومًا بقيود بنيوية تتعلق بالتحالفات الأمنية لقطر مع الولايات المتحدة واستضافتها لقاعدة العديد، مقابل سعي إيران لتوظيف علاقاتها مع الدوحة ضمن سياسة حسن الجوار دون التخلي عن أدوات الضغط. وبذلك، يمكن توصيف المرحلة السابقة للحرب بأنها مرحلة من التعايش الحذر الذي يجمع بين التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي من جهة، واستمرار الشكوك الأمنية الكامنة من جهة أخرى، وهي التناقضات التي تفجرت لاحقًا مع اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في يونيو 2025.

وقد خضع القرار الإيراني باستهداف قطر ضمن دول الخليج رغم رصيد العلاقات الودية مع الدوحة لعدد من المحددات؛ أولها: التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة: حيث اعتمدت إيران نمط التصعيد المحسوب، الذي وازن بين توجيه ضربات مؤثرة وفي نفس الوقت تجنب ردود فعل كاسحة من دول الخليج والولايات المتحدة، ثانيها: توسيع مسرح العمليات: بما يضمن نقل الضغط من المجال الجغرافي الإيراني المباشر إلى فضاءات إقليمية أوسع، بهدف إرباك حسابات الخصوم، ثالثها: تنفيذ تهديدات تكررت لسنوات مضت مفادها استهداف البنية الداعمة للخصم: وقد ركزت خلال هذه الضربات على التجمعات العسكرية واللوجستية المرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة. رابعها: تعظيم خسائر أطراف إقليمية ودولية جراء استهداف إيران: وتم ذلك من خلال استهداف المنشآت النفطية في دول الخليج وعلى رأسها قطر من خلال استهداف منشآت حقل رأس لفان الصناعية، ومنشآت تابعة لحقل بارس الجنوبي الشمالي، مما أثر بشكل كبير على أسعار النفط والغاز عالميًا، إذ أدى هذا الاستهداف وحده إلى تعطيل نحو 17% من صادرات الغاز القطري، فضلاً عن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في هذا السياق.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استهداف إيران لقطر عن إدراك طهران لطبيعة الوظيفة المزدوجة التي تؤديها الدوحة داخل بنية الأمن الإقليمي؛ فهي من جهة شريك اقتصادي وجار جغرافي يرتبط معها بأحد أكبر حقول الغاز في العالم، ومن جهة أخرى تمثل منصة ارتكاز رئيسية للوجود العسكري الأمريكي في الخليج عبر قاعدة العديد. ومن ثم، فإن الضربات الإيرانية حملت رسائل مركبة تتجاوز الإطار القطري الضيق، لتطال مجمل معادلة الردع في الخليج، مفاد هذه الرسالة أن أي بنية تحتية قد تستخدم لدعم العمليات العسكرية ضد إيران، حتى وإن كانت تقع داخل دول تحافظ على قنوات تواصل معها، ستظل عرضة للاستهداف في لحظة التصعيد.

كما عكست هذه الضربات تحولاً في قواعد الاشتباك التقليدية التي لطالما جنبت دول الخليج لاسيما تلك التي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع طهران الانخراط المباشر في مسرح العمليات. إذ لم تعد إيران تميز بشكل صارم بين الخصوم والوسطاء إذ باتت تتعامل مع الإقليم كوحدة واحدة، تحدد فيها الأهداف وفقًا لوظيفتها الإستراتيجية وليس طبقًا لمستوى العلاقات السياسية. وهو ما يفسر إدراج قطر ضمن بنك الأهداف، رغم حرص طهران تاريخيًا على عدم تقويض العلاقة معها بشكل كامل.

وعلى صعيد الدوافع غير المعلنة من جانب إيران، فعلى الأرجح سعت إيران لإعادة ضبط السلوك القطري ذاته، عبر توجيه رسائل ردعية غير مباشرة مفادها أن دور الوساطة، وإن كان مقبولاً ومرحبًا به من جانب طهران، فيجب ألا يتحول إلى غطاء لاستمرار استضافة بنى عسكرية تستخدم في إدارة العمليات ضدها. وبالتالي حاولت إيران فرض سقف سياسي للدور القطري، يوازن بين الوساطة والالتزامات الأمنية تجاه الولايات المتحدة، وهو سقف بدا أن الدوحة تجد صعوبة في الالتزام به في ظل تعقيدات تحالفاتها الإقليمية والدولية.

ولعل أهم تداعيات هذا الاستهداف الإيراني لقطر ضمن دول الخليج أنه قد أسهم في إحداث ارتباك واضح داخل منظومة الأمن الخليجي، حيث أعاد طرح تساؤلات حول جدوى سياسات التحوط التي تنتهجها بعض دول الخليج، والقائمة على الجمع بين الشراكة الأمنية مع واشنطن والانفتاح السياسي والاقتصادي على طهران. كما دفع هذا التطور دول الخليج ومن بينها قطر إلى إعادة تقييم درجة تعرضها للمخاطر في حال اتساع نطاق المواجهة، خاصة في ظل استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، بما لذلك من انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية واستقرار الإمدادات.

فعلى المستوى القطري، وضع الاستهداف الإيراني الدوحة أمام معادلة معقدة؛ إذ وجدت نفسها مطالبة بالحفاظ على دورها كوسيط موثوق من الصعب التخلي عنه الآن لاعتبارات كثيرة أهمها حتمية العلاقات مع إيران كجار وشريك في أهم حقول الغاز في العالم، وفي الوقت ذاته تعزيز إجراءاتها الدفاعية والتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة، بما قد يفسر إيرانيًا باعتباره انحيازًا ضمنيًا. كما أن تكرار استهداف منشآت الطاقة القطرية يهدد أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للدولة، ويضعف من قدرتها على المناورة الدبلوماسية على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق المعقد، وفي ظل الهدنة المستمرة حتى الآن ونشاط وساطات إقليمية في مقدمتها الوساطة الباكستانية يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية لإدارة المرحلة المقبلة؛ أولهما: سيناريو تثبيت التهدئة المشروطة، حيث تنجح الجهود الدبلوماسية في ترسيخ وقف إطلاق النار وتحويله إلى حالة شبه مستقرة، مع تراجع ملحوظ في استهداف العمق الخليجي، بما في ذلك قطر. وفي هذا الإطار، يتعزز الدور القطري كوسيط نشط، مستفيدًا من قنوات الاتصال التي تربطه بمختلف الأطراف، بما يسهم في تقليص احتمالات استهداف أراضيه أو منشآته الحيوية، خاصة في ظل إدراك إيرانيٍ لأهمية الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في علاقاتها مع الدوحة.

ثانيهما: سيناريو التهدئة الهشة، والذي تقوم فيه الهدنة على توازنات دقيقة وقابلة للاهتزاز، بحيث تشهد المرحلة المقبلة خروقات محدودة أو رسائل عسكرية محسوبة. وبالتالي تظل قطر عرضة لضغوط غير مباشرة، سواء من خلال استهداف المصالح المرتبطة بالوجود الأمريكي أو عبر التلويح بذلك، دون الوصول إلى ضربات واسعة النطاق، وهو ما يعكس استمرار توظيف موقعها ضمن معادلة الردع الإقليمي، مع احتفاظها في الوقت ذاته بدورها كقناة اتصال بين الأطراف.

ثالثهما: تعثر مسار المفاوضات وعودة التوتر، إذ تظل احتمالية أن تواجه الجهود الدبلوماسية صعوبات في تحويل الهدنة إلى اتفاق مستدام قائمة، بما يؤدي إلى تجدد مظاهر التصعيد بشكل تدريجي. وفي هذه الحالة، قد تعود قطر لتكون ضمن نطاق الضغوط الإقليمية، وإن كان بصورة أكثر حذرًا، مع استمرار حرص جميع الأطراف بما فيها إيران على عدم الدفع نحو تقويض كامل للعلاقة مع الدوحة، نظرًا لاعتبارات الجوار والمصالح الاقتصادية المشتركة، فضلاً عن الحاجة إلى قنوات وساطة فاعلة في إدارة الأزمات.

خلاصة القول، إن استهداف إيران لقطر يعكس بالأساس تحولاً تكتيكيًا في إدارة طهران للصراع مع خصومها، أكثر من كونه تحولاً يستهدف العلاقات الثنائية مع الدوحة ذاتها، إذ تظل هذه العلاقات محكومة بروابط جغرافية واقتصادية ومصالح مشتركة يصعب تجاوزها. كما يكشف هذا التطور عن تعقيد متزايد في بيئة التفاعلات الإقليمية، حيث تتداخل الأدوار الأمنية مع الأدوار الدبلوماسية في سياق شديد السيولة. وفي هذا الإطار، يبرز الدور القطري كأحد العوامل المساهمة في احتواء التصعيد، في ظل ما تمتلكه الدوحة من قنوات اتصال وقدرة على الوساطة، وهو ما قد يعزز من فرص استعادة التهدئة وإعادة ضبط مسارات التفاعل الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

* خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: