مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في نهاية شهر فبراير الماضي، تراجع الاهتمام الدولي والإقليمي بخطة ترامب، التي أنهت الحرب بشكل مؤقتٍ بين إسرائيل وحركة حماس. رغم ذلك ظل نيكولاي ملادينوف الممثل السامي لمجلس السلام في قطاع غزة (وهو أحد الكيانات المشرفة على تطبيق خطة ترامب ذات المراحل الثلاثة) مستمرًا في محاولاته لتذليل العقبات التي تعترض تنفيذ الخطة.
وإذا كانت الخلافات الحالية تدور حول مصير سلاح حماس، الذي تصر إسرائيل على نزعه بالكامل، بالإضافة إلى تدمير أنفاق غزة، قبل انسحاب قواتها من القطاع، وقبل السماح بإعادة إعماره، في مقابل رفض حماس هذا الطرح، واعتبار أن سلاحها وسلاح الفصائل الفلسطينية المتحالفة معها بمثابة خط أحمر..
فإن إحداث أي تقدم في هذا الملف يبدو صعبًا في الوقت الراهن، بسبب التعارض بين مسعى إسرائيل لتفكيك المحور الإيراني الذي يضم حماس وحزب الله وجماعة الحوثي والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وذلك عبر التفاوض المباشر مع الدول التي تعمل تلك الجماعات من داخل أراضيها، في مقابل تمسك إيران بأن تشمل أي تسوية مع الولايات المتحدة تسويات موازية مع أذرعها، وفقًا لمبدأ وحدة الساحات الذي تتبناه رسميًا وعمليًا، ولذلك تصبح السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية هي العنصر الحاكم لتطبيق خطة ترامب في غزة، أو انهيارها والذهاب إلى الاحتمال الأسوأ؛ وهو مواصلة إسرائيل سعيها لتهجير أغلب سكان القطاع واحتلاله بالكامل لضمان تجريده من السلاح بلا رجعة.
السيناريو الأول: التوصل لاتفاق مع إيران
وهو سيناريو شبه مستحيل، فرغم تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وجود توافق كبير بينهما، حول الكيفية التي يمكن بها إنهاء الحرب مع إيران، إلا أنه من المشكوك فيه أن يظل هذا التوافق قائمًا في حالة سعي الرئيس ترامب لتوقيع اتفاق مع إيران لا يحقق المطالب الإسرائيلية: تفكيك المشروع النووي الإيراني بالكامل، وضع قيود مشددة على مشروعات إيران لتطوير الصواريخ الباليستية، التزام إيران بعدم دعم الجماعات التي تستهدف إسرائيل وعلى رأسها حزب الله اللبناني.
وحسب التقارير الإعلامية الأمريكية حول ما يجري من اتصالات مباشرة وغير مباشرة بإيران، فإن إدارة الرئيس ترامب تركز فقط على الملف النووي، وتعتبر النجاح في إقناع إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، سواء بنقله للولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، سيكون مسوغًا جيدًا يقدمه الرئيس ترامب كانتصار لا يمكن إنكاره أمام أنصاره وخصومه على حد سواء.
ولكن علاوة على أنه من المستبعد أن توافق إيران على التخلي عن مخزونها النووي، فإن ذلك – حتى لو حدث – لن يكون ضمانًا بالنسبة لإسرائيل بأن توقف إيران سعيها لإعادة تشغيل مفاعلاتها النووية وإنتاج يورانيوم عالي التخصيب مجددًا. كما أن موافقة إيران على فتح منشآتها النووية أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية، لن يغير من الموقف الإسرائيلي الذي يشكك في نوايا إيران، وفى قدرة الوكالة الدولية على متابعة ما يجري في تلك المنشآت، كما أنه لا يضمن ألا تفكر إيران في إنشاء مفاعلات نووية جديدة بشكل سري وبعيدًا عن أنظار الوكالة الدولية.
بمعنى أكثر وضوحًا يصعب تحقق مثل هذا السيناريو. وربما يذهب الرئيس ترامب إلى عقد اتفاقات جزئية مع إيران بعيدة عن الملف النووي دون إسقاطه نهائيًا من أجندته، مثل التوصل إلى اتفاق حول فتح مضيق هرمز دون ربطه برفع العقوبات المفروضة عليها منذ عقود، كما سيصر ترامب على ألا تعاود إيران قصفها إسرائيل بالصواريخ الباليستية والمسيرات مقابل التزام إسرائيل بعدم مهاجمتها أيضًا، ولكن هذا الالتزام لن يعني تقييد يد إسرائيل في الاستمرار في حرب الظل (هجمات إلكترونية وعمليات اغتيال) التي تشنها ضد المنشآت النووية الإيرانية منذ سنوات طويلة، كما لا يعني امتناع إسرائيل عن الاستمرار في توجيه الضربات لأذرع إيران.
إن التأثير المباشر لمثل هذا السيناريو (بافتراض إمكانية تحققه جدلًا) على ملف غزة والقضايا المرتبطة به، وعلى رأسها نزع سلاح القطاع، هو عودة إسرائيل لشن هجماتها على القطاع وربما توسيع المساحة التي تحتلها منه، والتي تقترب من 60% حاليًا بهدف تصفية الوجود العسكري لحركة حماس وحلفائها بالقوة العسكرية، مما سيزيد احتمال عودة الحرب بين إسرائيل وأذرع إيران، دون تدخل الأخيرة بشكل مباشر حتى لا ينهار الاتفاق المفترض بينها وبين الولايات المتحدة، وهو ما سيعني عودة الوضع في غزة إلى ما كان عليه قبل الشروع في تطبيق خطة ترامب، أو بمعنى أدق إعلان عملي غير رسمي بفشل هذه الخطة.
السيناريو الثاني: عدم التوصل لاتفاق مع إيران
يبدو الرئيس ترامب غير متعجل في توقيع اتفاق مع إيران لا يلبي مطالبه، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، وبالتالي فإن تركيزه حاليًا ينصب على ممارسة ضغوط أكبر على طهران بالاستمرار في محاصرة خليج هرمز على أمل إجبارها على تقديم التنازلات المطلوبة، بسبب الكلفة الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي تتكبدها إيران جراء هذا الحصار.
يشكل جمود الوضع على هذه الشاكلة مأزقًا كبيرًا لإيران، حيث يصعب عليها أن تكسب حرب الحصار المتبادل بينها وبين الولايات المتحدة في خليج هرمز، وعلى حين يستطيع ترامب البقاء على موقفه بتمديد الهدنة مع إيران من جانب واحد مع استمرار حصار موانيها لعدة أشهر، فإن إيران لن تستطيع تحمل تبعات هذا الوضع لفترة طويلة، ليس فقط بسبب تكلفته الاقتصادية، ولكن أيضًا بسبب الحرج الذي تتعرض له قيادتها أمام الرأي العام لديها، والذي يتساءل عن معنى التزام بلاده بهدنة لم يتم التوصل إليها باتفاق واضح مع واشنطن، ولا تتلقى مقابل هذا الالتزام أي مقابل.
قد تدفع تلك الضغوط إيران لمحاولة كسر الحصار الأمريكي حول موانيها بالاشتباك مع القوات الأمريكية المنتشرة هناك، وهو ما قد يدفع ترامب لتنفيذ تهديدات سابقة له باستهداف جميع منشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، وهو سيناريو تدرك إيران أن إسرائيل تسعى إليه وسوف تشارك في هذه الضربات بشكل مؤكد، خاصة مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنّ إسرائيل مستعدة لهذا السيناريو ولديها بنك أهداف واسع لاستهداف المنشآت الصناعية الإيرانية سواء المرتبطة بالمشروع النووي أو الصاروخيّ جنبًا إلى جنب مع منشآت صناعية مخصصة للأغراض المدنية.
في حالة تحقق هذا السيناريو فإن تأثيره على خطة ترامب في غزة سيتمثل في العودة للتركيز من جانب الإدارة الأمريكية على إنجاح الخطة بعد الإخفاق في إنهاء الحرب مع إيران بشروط ترامب، لتكون تعويضًا عن هذا الإخفاق، مع تأييد مطلب إسرائيل بجعل تجريد القطاع من السلاح وهدم الأنفاق شرطًا مسبقًا للحديث عن الانسحاب الإسرائيلي من هناك والسماح بإعادة الإعمار.
ويعتبر هذا السيناريو هو الأسوأ بالنسبة لحماس، التي يختلف وضعها العسكري عن وضع بقية محور إيران، من حيث عدم قدرتها على إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل سواء بسبب تآكل مخزوناتها، أو بسبب ضيق المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها منصات الإطلاق -إن وجدت- دون أن تتعرض للكشف والتدمير السريع من جانب سلاح الجو الإسرائيلي.
كما أن إيران ربما ستفكر كثيرًا قبل أن تعاود مهاجمة إسرائيل ردًا على قيامها بضرب حلفائها (خاصة حماس وحزب الله) حتى لا تمنح إسرائيل الذريعة لمهاجمتها.
بمعنى أكثر وضوحًا ستجد حماس نفسها في مواجهة شبه منفردة، وغير متكافئة مع إسرائيل إذا ما حاولت تنفيذ عمليات ضد قواتها التي تحتل معظم مساحة القطاع. وبافتراض أنها (أي حماس) ستبقى قادرة على الصمود في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها عسكريًا وسياسيًا لفترة من الوقت، فإن التطورات الداخلية في إسرائيل وأهمها بدء الاستعدادات للانتخابات المقبلة في أكتوبر القادم ربما لن تخدمها، حيث تم الإعلان مؤخرًا عن تحالف بين رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينت ورئيس حزب يش عتيد بزعامة يائير لبيد، لتشكيل حزب موحد لخوض هذه الانتخابات ودعوة أحزاب أخرى للانضمام إلى هذا التحالف، مثل الحزب الجديد (ياشار) الذي يقوده رئيس الأركان الأسبق جادي أيزنكوت بهدف إسقاط التكتل اليميني الذي يقوده نتنياهو حاليًا. وتعتبر معظم التيارات السياسية خارج هذا التكتل أكثر تطرفًا في معالجة ملف غزة، حيث لا يخفى بينت آيزنكوت ومعهم أفيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتينو نيتهم في إنهاء حركة حماس وحلفائها بالقوة وليس عبر التفاوض، كما يؤيد أغلبهم سياسة التهجير القسري للفلسطينيين، وفى حالة فوز هذه الجبهة في الانتخابات المقبلة ستواجه حماس حكومة موزعة نظريًا بين اليمين والوسط، ولكنها ستكون أشد تطرفًا من معسكر نتنياهو وقد تدفع فعلاً نحو حرب أوسع نطاقًا ليس ضد حماس وحدها، بل ضد إيران على وجه الخصوص والتي سبق لنفتالي بينت حينما شغل منصب رئيس الحكومة (2021-2022) أن توعد بقطع رأس الأخطبوط (إيران) كمدخل وحيد لضمان قطع أذرعه، وعلى رأسهم حزب الله وحركة حماس.