ينبغي التمييز أولًا بين التصنيف القائم والتصنيف المرتقب. فحتى 28 أبريل 2026، لا يظهر الحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة المنظمات المحظورة في بريطانيا بموجب قانون الإرهاب لعام 2000، بينما تُظهر الوثائق البرلمانية البريطانية أن قائمة الحظر كانت تضم حتى ديسمبر 2025 عددًا من التنظيمات الإرهابية، من دون إدراج الحرس الثوري الإيراني. في المقابل، أعلنت الحكومة البريطانية نيتها تقديم تشريع جديد يسمح بالتعامل مع الحرس الثوري الإيراني والمنظمات المدعومة من دول ككيانات يمكن إخضاعها لصلاحيات شبيهة بالحظر الإرهابي، بعدما خلصت مراجعات قانونية إلى أن الإطار البريطاني التقليدي للحظر لم يكن مُصمّمًا أصلًا للتعامل مع أجهزة دولة أو تشكيلات عسكرية رسمية. لذلك، فإن النقاش البريطاني الراهن لا يدور فقط حول “هل يُحظر الحرس الثوري؟”، بل حول سؤال أعمق: هل يمكن استخدام أدوات مكافحة الإرهاب ضد ذراع عسكرية – أمنية لدولة، من دون خلق إشكالات قانونية ودبلوماسية تتجاوز الهدف الأمني المباشر؟
تأتي أهمية هذا التحول من أن بريطانيا لم تكن غائبة عن مواجهة الحرس الثوري، لكنها اختارت لسنوات العمل عبر العقوبات لا عبر الحظر الإرهابي الكامل. فقد فرضت لندن حزم عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري، بما في ذلك شبكات تمويل ودعم، كما أعلنت في 2025 و2026 إجراءات ضد أفراد وكيانات متهمة بتمكين نشاط الحرس الثوري أو التورط في قمع المتظاهرين الإيرانيين.
غير أن العقوبات وحدها لا تخلق الأثر الجنائي نفسه الذي ينتجه الحظر؛ فالحظر يجعل الانتماء، والدعم، والترويج، وترتيبات التمويل، وحيازة أو عرض الرموز، أفعالًا تقع في قلب قانون مكافحة الإرهاب.
ومن هنا يبرز الفرق الجوهري: العقوبات تستهدف المال والحركة والأصول، أما الحظر فيستهدف البيئة السياسية والتنظيمية والاجتماعية التي تسمح للكيان بالعمل أو جمع الدعم أو بناء شبكات نفوذ.
السبب المباشر وراء تصاعد النقاش البريطاني يرتبط باتساع التهديدات المنسوبة إلى إيران داخل الأراضي البريطانية والأوروبية. فقد أعلنت لندن في 2025 إجراءات لمواجهة ما وصفته بتهديد متنامٍ من إيران، وذكرت تقارير رسمية وإعلامية أن أجهزة الأمن البريطانية تعاملت خلال السنوات الأخيرة مع عدد من المؤامرات المرتبطة بإيران لاستهداف معارضين أو مصالح يهودية أو إسرائيلية أو شخصيات مقيمة في بريطانيا. كما عاقبت بريطانيا شبكة Foxtrot السويدية وزعيمها رَوَا مجيد بسبب مزاعم عن هجمات استهدفت مصالح إسرائيلية ويهودية في أوروبا لصالح إيران.
هذا السياق هو الذي جعل الحظر، في نظر مؤيديه، ليس مجرد موقف رمزي من سياسة إيران الإقليمية، بل أداة داخلية لحماية الأمن البريطاني ومنع شبكات التهديد من استغلال الفجوات القانونية بين “النشاط الإرهابي” و“النشاط المدعوم من دولة”.
لكن نقطة الخلاف القانونية الأساسية تكمن في أن الحرس الثوري الإيراني ليس تنظيمًا عابرًا للدولة بالمعنى التقليدي، بل مؤسسة عسكرية – أمنية ضمن بنية الدولة الإيرانية. لذلك حذّر جوناثان هول، المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب في بريطانيا، من أن قانون الإرهاب لعام 2000 لم يُصمم لمعالجة سلوك الدول أو أذرعها الرسمية، وأن استخدامه لحظر كيانات تابعة لدولة قد يكون “بحثًا في القسم الخطأ” من المنظومة القانونية. هذه الحجة لا تبرئ الحرس الثوري من الاتهامات، لكنها تقول إن الأداة القانونية يجب أن تكون مناسبة لطبيعة الفاعل.
ولهذا تميل الحكومة البريطانية إلى تشريع جديد خاص بـ”التهديدات المدعومة من دول”، بما يتيح فرض صلاحيات شبيهة بالحظر من دون ليّ ذراع قانون الإرهاب المصمم أصلًا للتنظيمات الإرهابية غير الحكومية.
من زاوية مؤيدي الحظر، يمثل الحرس الثوري الإيراني حالة استثنائية تبرر تجاوز التحفظات التقليدية. فالحرس ليس مجرد قوة عسكرية داخلية، بل شبكة سياسية – اقتصادية – أمنية تمتد عبر فيلق القدس، وشبكات تسليح وتدريب وتمويل لجماعات مسلحة، وتأثير واسع داخل الاقتصاد الإيراني.
الولايات المتحدة صنّفته منظمة إرهابية أجنبية عام 2019، وكندا أدرجته ككيان إرهابي بموجب القانون الجنائي في يونيو 2024، ثم قرر الاتحاد الأوروبي في فبراير 2026 إدراجه على قائمة الإرهاب الأوروبية.
هذا التراكم الغربي يضع بريطانيا تحت ضغط المقارنة: فإذا كانت واشنطن وأوتاوا وبروكسل قد تجاوزت عتبة التصنيف، فلماذا تبقى لندن عند مستوى العقوبات فقط؟ بالنسبة إلى أنصار الحظر، التأخير البريطاني يرسل إشارة ضعف، ويفتح ثغرة مالية وسياسية يمكن أن يستفيد منها الحرس الثوري وشبكاته.
أما المعارضون أو المتحفظون فيرون أن نقل الحرس الثوري الإيراني إلى خانة الإرهاب الكامل قد يخلق آثارًا دبلوماسية وأمنية معاكسة.
أول هذه الآثار احتمال الرد الإيراني عبر خفض التمثيل الدبلوماسي، أو احتجاز مواطنين مزدوجي الجنسية، أو تقييد القنوات القنصلية، أو استهداف المصالح البريطانية في الإقليم.
وثانيها أن الحظر قد يقلل قدرة لندن على لعب دور قناة تواصل في الملف النووي أو في أزمات الخليج العربي ومضيق هرمز.
وثالثها أنه قد يخلق إشكالات عملية للمؤسسات البحثية والإنسانية والصحفية التي تحتاج إلى التواصل مع مسئولين إيرانيين أو تحليل مواد مرتبطة بالحرس الثوري، خصوصًا إذا جاءت الصياغة القانونية واسعة وغامضة.
لذلك، فإن الخلاف ليس بين من “يعارضون مواجهة إيران” ومن “يدعمونها”، بل بين من يريدون أداة جنائية قصوى ومن يريدون أداة مخصصة تضبط النشاط المدعوم من دولة من دون قطع كل قنوات الدولة.
تداعيات التصنيف المحتمل على السياسة البريطانية ستكون واسعة. داخليًا، سيمنح أجهزة الشرطة والأمن أدوات أقوى لملاحقة الدعم والترويج والتجنيد والتمويل، وسيتيح توسيع نطاق التحقيقات في الشبكات المرتبطة بإيران داخل بريطانيا.
وسيكون لذلك أثر مباشر على الجاليات الإيرانية، إذ يمكن أن يطمئن المعارضون الإيرانيون المقيمون في بريطانيا بأن الدولة تأخذ تهديدات طهران بجدية أكبر، لكنه قد يخلق أيضًا مخاوف من الإفراط في الاشتباه أو من الخلط بين النقد السياسي لإيران وبين التواصل الاجتماعي والثقافي العابر مع مؤسسات إيرانية. أما سياسيًا، فسيعزز القرار موقع الحكومة أمام البرلمان واللوبيات الداعية للحظر، خصوصًا بعد تصاعد مطالبات برلمانية ومحلية، مثل عريضة مجلس العموم المبكرة ومواقف جمعية لندن، التي وصفت الحرس الثوري بأنه منظمة إرهابية محترفة وليست مجرد قوة عسكرية تقليدية.
على مستوى السياسة الخارجية، سيغيّر التصنيف طبيعة العلاقة البريطانية - الإيرانية من سياسة عقوبات قابلة للمراجعة إلى سياسة تجريم أوسع. إيران ستقرأ القرار باعتباره انضمامًا بريطانيًا كاملًا إلى خط المواجهة الغربي، خاصة بعد تصنيف الاتحاد الأوروبي للحرس الثوري في فبراير 2026.
وقد ينعكس ذلك على ملفات مثل المحادثات النووية، أمن الملاحة في مضيق هرمز، وسلوك الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق وسوريا واليمن. ومع ذلك، قد ترى لندن أن الكلفة الدبلوماسية أصبحت أقل من كلفة التراخي الأمني، خاصة إذا استمر ربط الحرس الثوري بتهديدات داخل أوروبا. أي أن التصنيف المحتمل يعكس انتقال بريطانيا من سياسة “إبقاء الباب مفتوحًا” إلى سياسة “رفع كلفة السلوك العدائي”، مع محاولة لاحقة للحفاظ على الحد الأدنى من القنوات الدبلوماسية عبر أدوات الدولة التقليدية.
بالنسبة إلى دول الخليج العربية، يكتسب التصنيف البريطاني المحتمل أهمية تتجاوز الساحة البريطانية. فمجلس التعاون لدول الخليج العربية ينظر إلى الحرس الثوري الإيراني ليس فقط كأداة داخلية للنظام الإيراني، بل كذراع إقليمية تؤثر في أمن الخليج العربي، ومضيق هرمز، وساحات اليمن والعراق وسوريا ولبنان.
ومن ثم، فإن انتقال دولة أوروبية كبرى مثل بريطانيا إلى تصنيف الحرس الثوري أو إخضاعه لنظام حظر شبه إرهابي سيُقرأ خليجيًا بوصفه تعزيزًا لمعادلة الردع السياسي والقانوني ضد إيران. لكنه يحمل في المقابل مخاطر: إذا ردت طهران بتصعيد في الخليج العربي أو ضد الملاحة أو عبر وكلاء إقليميين، فإن دول الخليج العربية قد تتحمل جزءًا من الكلفة التشغيلية، سواء عبر ارتفاع التأمين البحري، أو توتر حركة الطاقة، أو زيادة الضغط على القواعد الأجنبية في المنطقة. لذلك فإن المصلحة الخليجية ليست فقط في “تصعيد قانوني غربي” ضد الحرس الثوري، بل في ربط هذا التصعيد بإستراتيجية احتواء متكاملة تمنع انتقال الضغط إلى أمن الخليج العربي وممراته البحرية.
من ناحية اقتصادية ومالية، قد يؤدي التصنيف إلى تشديد الامتثال في البنوك وشركات التأمين والتجارة والشحن. فالحرس الثوري الإيراني يتمتع بنفوذ واسع داخل قطاعات اقتصادية إيرانية متعددة، ما يجعل أي تعامل مع شركات إيرانية عرضة لفحص إضافي خشية الارتباط المباشر أو غير المباشر بالحرس.
كندا، عند إدراج الحرس الثوري ككيان إرهابي، أشارت إلى أن الحرس منخرط في أنشطة تجارية واقتصادية واسعة داخل إيران، وهو ما يعني أن التصنيف يخلق عمليًا “منطقة حظر ممتدة” حول أجزاء كبيرة من الاقتصاد الإيراني. هذا قد يحقق هدفًا ردعيًا عبر تضييق التمويل، لكنه قد يخلق أيضًا تعقيدات أمام التجارة الإنسانية أو الأكاديمية أو الفنية إذا لم تُصمم استثناءات واضحة.
ولهذا، فإن نجاح التصنيف البريطاني، إن تم، سيعتمد على دقة القواعد التنفيذية: كيف تمنع تمويل الحرس من دون خنق القنوات الإنسانية أو معاقبة المجتمع الإيراني ككل.
وهنا تظهر عقدة الخلاف حول “الرمزية” و”الفاعلية”. مؤيدو التصنيف يرون أن الرمزية نفسها جزء من الردع، لأن وضع الحرس الثوري في خانة الإرهاب يجرّده من الغموض السياسي ويجعل التعامل معه كلفة قانونية وأخلاقية.
أما المتحفظون فيسألون: هل سيغيّر التصنيف سلوك طهران، أم سيدفعها إلى التصعيد ويقلل قنوات الاتصال؟ التجربة الأمريكية منذ 2019 تُظهر أن التصنيف يمنح أدوات ضغط واسعة، لكنه لم ينهِ نشاط الحرس الثوري أو نفوذ فيلق القدس.
وتجربة الاتحاد الأوروبي في 2026 ستظل اختبارًا مهمًا: هل يؤدي الإدراج إلى ردع شبكات الحرس في أوروبا، أم يظل إجراءً رمزيًا مضافًا إلى عقوبات قائمة؟ بريطانيا، بحكم وجود جالية إيرانية كبيرة ودور مالي عالمي وعلاقات أمنية وثيقة في الخليج العربي، ستكون أمام اختبار أكثر حساسية: تصنيف قوي جدًا قد يرفع كلفة التهديد، لكنه إذا لم يُصمم بدقة قد يخلق مساحات قانونية رمادية وربما يضر بأدوات المراقبة نفسها.
الخلافات حول التصنيف تحمل أيضًا بُعدًا دستوريًا وسياسيًا داخليًا في بريطانيا. فالحظر الإرهابي يخلق آثارًا جنائية خطيرة على حرية التعبير والتنظيم والارتباط. بريطانيا شهدت في 2025 و2026 جدلًا كبيرًا حول استخدام أداة الحظر ضد جماعات سياسية أو احتجاجية مثل Palestine Action، بما أعاد طرح سؤال حدود قانون الإرهاب عندما يُستخدم خارج النماذج التقليدية للجماعات المسلحة. وعلى الرغم من اختلاف الحرس الثوري تمامًا عن جماعات الاحتجاج، فإن البيئة القانونية نفسها تجعل البرلمان والمحاكم والمجتمع المدني أكثر حساسية تجاه توسيع صلاحيات الحظر. لذلك، قد تختار الحكومة صيغة “حظر للكيانات المدعومة من دولة” بدل استخدام قائمة الإرهاب التقليدية، في محاولة لتفادي الطعن القانوني الواسع وإظهار أن الأداة موجهة إلى تهديدات دولة منظمة لا إلى التعبير السياسي.
بالنسبة إلى أوروبا، فإن القرار البريطاني المحتمل سيعيد تنسيق الموقف الغربي تجاه إيران. فبعد إدراج الاتحاد الأوروبي للحرس الثوري في فبراير 2026، أصبحت بريطانيا، خارج الاتحاد الأوروبي، أمام خيارين: إما أن تبقى عند نظام عقوبات منفصل، ما يخلق فجوة تنظيمية بين لندن وبروكسل؛ أو أن تتحرك نحو حظر مشابه يعزز التنسيق عبر الأطلسي والأوروبي. ومن الناحية العملية، فإن التنسيق مع الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي سيزيد من صعوبة التفاف الحرس الثوري على القيود المالية والقانونية. لكنه قد يجعل إيران ترى الجبهة الغربية أكثر توحدًا وعدائية، فتزيد اعتمادها على الشركاء غير الغربيين وعلى شبكات الالتفاف الإقليمي. لذلك فإن التحدي ليس فقط “توحيد التصنيف”، بل بناء مسار دبلوماسي موازٍ يمنع انزلاق التصنيف إلى قطيعة كاملة في ملفات مثل النووي وأمن الطاقة والملاحة.
في الخلاصة، تصنيف بريطانيا للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، إذا اكتمل تشريعيًا، سيكون أحد أكبر التحولات في سياسة لندن تجاه إيران منذ سنوات. فهو يرفع المواجهة من مستوى العقوبات والاحتجاجات الدبلوماسية إلى مستوى التجريم الواسع لشبكات الدعم والانتماء والتمويل. لكنه في الوقت نفسه يفتح خلافات قانونية ودبلوماسية حقيقية حول كيفية التعامل مع ذراع رسمية لدولة، وكيفية حماية قنوات الدبلوماسية والإنسانية، وكيفية منع التصنيف من التحول إلى عامل تصعيد في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يمكن أن يوفر التصنيف رافعة إضافية للضغط على إيران والحرس الثوري، لكنه لن يكون كافيًا وحده لتعزيز أمن الخليج العربي ما لم يقترن بردع بحري، وتنسيق استخباراتي، واستثناءات إنسانية واضحة، وقنوات تهدئة تمنع تحويل التصنيف إلى موجة جديدة من الاشتباك الإقليمي. هكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل التصنيف صحيح سياسيًا فقط، بل هل صُمم بطريقة تجعل كلفته على الحرس الثوري أكبر من كلفته على الأمن الإقليمي والدبلوماسية والاستقرار الاقتصادي.
* باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية