رؤية النرويج للمنطقة: فلسطين "مفتاح السلام"

29-4-2026 | 11:11

"يجب ألا تُنسينا الحرب الدائرة في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة الوضع في فلسطين.. إن قيام دولة فلسطينية تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل هو مفتاح السلام في الشرق الأوسط بأسره"، بهذه الجملة الواضحة قدم وزير خارجية النرويج إسبن بارث إيدي أهم عنصر في رؤية بلاده لإنهاء دوامة الصراعات في الشرق الأوسط، وهذه الرؤية تتفق تمامًا مع رؤية مصر، وتنسجم مع مبادرة السلام العربية.

ولا تكتفي حكومة أوسلو بالبيانات، بل تعمل بقوة مع مصر لحماية الشعب الفلسطيني ومؤسسات السلطة الفلسطينية، وتشارك دولة النرويج بقوة في التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، وذلك أملًا في قيام الدولة الفلسطينية.

وتحذر حكومة أوسلو من أنه بدون مؤسسات عامة مستدامة وفعالة، لن تتمكن الحكومة الفلسطينية من الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها، وأن المؤسسات التي بناها الفلسطينيون، بالتعاون مع المجتمع الدولي، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، معرضة للتآكل.

وتأمل النرويج، التي ترأس لجنة الاتصال المخصصة للسلطة الفلسطينية، أن يُسهم التعاون بين اللجنة ومجلس السلام في غزة في مساعدة النرويج والاتحاد الأوروبي على ممارسة الضغط على إسرائيل عبر الولايات المتحدة.

وترى أن دمج المؤسسات الأمريكية قد يكون في الواقع أفضل وسيلة للتأثير على إسرائيل. وأشار إيدي إلى مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية الفلسطينية قائلًا: "لأن الإدارة الأمريكية لا تزال تتمتع ببعض النفوذ على إسرائيل، نظرًا لقلة عدد حلفائها الآخرين".

وبفضل الدبلوماسية النرويجية، تمكنت أوسلو من جمع الجميع في مكان واحد، وذلك في الاجتماع الأول بعد وقف إطلاق النار في غزة، والأول بعد إنشاء مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، ووفقًا لإيدي، كان من المهم إشراك مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية في لجنة الاتصال، "لأننا نعمل في نهاية المطاف لتحقيق الهدف نفسه".

وحرصت أوسلو على الوحدة الفلسطينية، وطمأنة الحكومة الفلسطينية أن فلسطين ستظل واحدة في نهاية المطاف، وأن أنشطة مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية لن تؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية وغزة.

ومن الأهداف الأخرى للنرويج والاتحاد الأوروبي إزالة تهديد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش بسحق الاقتصاد الفلسطيني من خلال فصل البنوك العاملة في السلطة الفلسطينية عن النظام المصرفي العالمي.

وفي اجتماع المانحين، أعلن إيدي أن النرويج تزيد مساهمتها للسلطة الفلسطينية لمساعدتها على مواجهة حجب إسرائيل لإيراداتها الضريبية. وبحسب قوله، تعتزم النرويج المساهمة بمبلغ 80 مليون دولار للسلطة الفلسطينية في 2026، وتحويل مبلغ إضافي قدره 380 مليون دولار للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لإزالة الأنقاض في قطاع غزة.

وأشارت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، التي شاركت في رئاسة الاجتماع مع إيدي، إلى أن الاتحاد الأوروبي تعهد بتقديم 1.6 مليار يورو للسلطة الفلسطينية على مدى ثلاث سنوات، من 2025 إلى 2027. ودعا إيدي وكالاس أيضًا المانحين الآخرين إلى زيادة مساهماتهم.

كما أعربت الوزيرة عن أملها في أن يساعد التعاون بين لجنة الاتصال المخصصة ومجلس السلام في ضمان إسناد إدارة قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية.

ويأتي ذلك في الوقت الذي يعاني فيه الوضع الاقتصادي في فلسطين، ويمر بحالة هشة للغاية، لدرجة أن المستشفيات والمدارس وغيرها من الخدمات العامة معرضة لخطر الانهيار.

وتفاقم الوضع في فلسطين بسبب القيود الصارمة على الحركة التي تفرضها إسرائيل، وعنف المستوطنين، والاحتلال. كما لم تحوّل إسرائيل عائدات الضرائب الفلسطينية منذ ما يقارب العام. ورغم كل الجهود الدولية، لا يمكن لمساهمات المانحين أن تحل محل جميع إيرادات فلسطين، وقد اضطرت الحكومة الفلسطينية إلى إجراء تخفيضات حادة في ميزانية الدولة. ونتيجة لذلك، لم يتلقَّ موظفو القطاع العام، مثل المعلمين والعاملين في القطاع الصحي وضباط الشرطة، سوى جزء من رواتبهم؛ وهو أمر يحمل خطر الانهيار لهياكل الدولة الفلسطينية.

ومرة أخرى يتقدم وزير خارجية النرويج بخريطة طريق بقوله: "يجب علينا بذل كل ما في وسعنا لمنع هذا الانهيار. وسوف يساعد دعم النرويج للميزانية في الحفاظ على الخدمات العامة الأساسية في فلسطين، لا سيما في قطاع التعليم، وضمان صرف رواتب موظفي القطاع العام، وتوفير قدر من الاستقرار المالي في ظل هذه الأزمة الحادة".

وفي الوقت نفسه ترى أوسلو أن حجب إسرائيل للإيرادات، التي هي حقٌ للشعب الفلسطيني، يُقوِّض مؤسسات الدولة الفلسطينية، والأساس المتين لاستقلال فلسطين في المستقبل.

وبالرغم من أن الطريق للدولة الفلسطينية لا يزال طويلًا، ولكن ثمة تغير في مواقف العديد من الدول، التي كانت صديقة لإسرائيل ومنها النرويج.

فقد تحوّل موقف النرويج من داعم تقليدي لإسرائيل إلى أحد أبرز منتقديها، وجاء ذلك تدريجيًا نتيجة تداخل عوامل سياسية وأخلاقية؛ فبعد دورها كوسيط في اتفاقات أوسلو، سعت أوسلو للحفاظ على توازن دبلوماسي، لكن مع تعثر عملية السلام وتصاعد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، خاصة الاستقرار والحروب المتكررة، بدأت تميل إلى خطاب أكثر نقدًا مدفوعًا بثقافة سياسية تضع حقوق الإنسان في صلب سياستها الخارجية، إضافة إلى ضغط رأي عام داخلي متعاطف مع الفلسطينيين، وهو ما تُوّج بخطوة الاعتراف بدولة فلسطين، لتتحول من وسيط حذر إلى صوت أوروبي أكثر صراحة في انتقاد السياسات الإسرائيلية.

ولعل أهم تحول في مسار موقف النرويج والعديد من الدول الاسكندنافية هو تغير الرأي العام؛ فالمجتمع النرويجي، بما فيه الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، أصبح أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، خاصة مع تكرار مشاهد الحروب في غزة. هذا الضغط الداخلي دفع الحكومات المتعاقبة لاتخاذ مواقف أكثر نقدًا لإسرائيل.

وفي الوقت نفسه هناك الإحباط من السياسات الإسرائيلية؛ ففي ظل استمرار الاستيطان، وتعثر حل الدولتين، والتصعيدات العسكرية المتكررة، كلها عوامل جعلت النرويج ترى أن إسرائيل لا تسير في اتجاه تسوية سياسية، مما دفعها إلى تصعيد لهجتها النقدية.

وفي النهاية رؤية النرويج للسلام تستند لنظرة بعيدة المدى، ويؤكد جوناس جار ستور، رئيس الوزراء النرويجي، أن "الاعتراف بدولة فلسطين دعم للقوى المعتدلة، التي تقف في موقف دفاعي، في صراع طويل ومروع"، ويصف اعتراف بلاده بدولة فلسطين بأنه "استثمار في الحل الوحيد الذي يُمكن أن يرسي السلام الدائم في الشرق الأوسط".

ويثبت دعم النرويج حكومة وشعبًا لقضية الشعب الفلسطيني أن التضامن الإنساني يمكن أن يكون جسرًا نحو مستقبل أفضل للأجيال القادمة، وخطوة نحو الوصول للعدالة رغم جبروت الاحتلال الإسرائيلي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: