29-4-2026 | 11:10

يحكى في قديم الزمان عن شيخ حكيم كان يجلس في ساحة قرية، فجاءه شاب يسأله عن كيفية معرفة من يحبه بصدق ممن يرتدي قناع الود؟ فلم يجبه الشيخ بكلمة، بل أشار بيده نحو طفل صغير يركض باتجاه أمه، التي كانت مشغولة بالحديث، وعندما تعثر الطفل وسقط لم يصرخ، بل نظر إلى عيني أمه، وفي تلك اللحظة قطعت الأم حديثها لحظة سقوطه؛ لأنها شعرت باهتزاز في هواء النظرات بينهما، فقال الشيخ للشاب: "إن الكلمات قد تكذب لتجمل الواقع، لكن العيون هي النوافذ التي تطل منها الروح على الحقيقة، فمن يحبك يقرأ انكسارك من عينيك قبل أن تنطق شفتك بكلمة واحدة".

من وحي هذه القصة ندرك أننا قضينا عقودًا من أعمارنا نقدس الكلمة ونمنحها مفاتيح قلوبنا، ونبني عليها آمالنا الكبيرة؛ حيث تعلمنا في المدارس أن اللغة هي وسيلة التواصل الكبرى لك في الحياة بمختبرها القاسي والجميل في آن واحد، تعيد ترتيب الأولويات؛ لنجد أننا نسينا تعلم اللغة الأهم، تلك التي لا تكتب بحبر المطابع، بل تبث عبر النظرات، وتُقرأ بالبصيرة لا بالنظر، إنها الأبجدية الهادئة التي تسكن في تلك المنطقة المركزية لحدقة العين، فالعين هي العضو الذي لم يتعلم مهارة الكذب بعد، وهي الرادار الفطري الذي يلتقط ما وراء النوايا.

بول إيكمان العالم الأمريكي المتخصص في تعبيرات الوجه يرى أن الإنسان بإمكانه التدرب على تزييف الابتسامة، لكنه لا يملك السيطرة على العضلات الدقيقة المحيطة بالعين؛ لأنها مرتبطة مباشرة بالجهاز العصبي اللاإرادي لذا فإن حدقة العين تتسع لا إراديًا حين نرى من نحب، وتنقبض حين نشعر بالخطر أو الكراهية، وهي الشيفرة التي تعجز أعتى الكتب الأكاديمية عن فك طلاسمها؛ لأنها لغة ربانية تسبق المنطق والتحليل وهو ما يجعل الكاذب في حالة ارتباك دائم أمام أصحاب البصيرة فالتناقض بين برودة العين وحرارة اللسان يخلق فجوة يسهل على القلب اليقظ التقاطها.

وإذا تأملنا واقعنا المعاصر نجد أن الكارثة الحقيقية تكمن فيما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث نعيش في عالم يضج بالكلمات المكتوبة خلف شاشات صماء، فغابت العين وحضرت لوحة المفاتيح؛ مما حول الحوارات إلى ساحات للمعارك، فالكلمة المكتوبة تفتقر إلى روح النظرة التي تلطف المعنى؛ ولذا نجد الناس يختلفون لأسباب تافهة لمجرد أنهم لم يلمحوا لمعة الندم أو نبرة المزاح أو دفء الصدق في عيني المتحدث، فالسوشيال ميديا جردت الإنسان من سلاحه الفطري؛ وهو التواصل البصري، وحولته إلى نصوص جامدة يسهل تأويلها بسوء نية؛ مما أدى إلى تمزق النسيج الاجتماعي، وزيادة حدة المشكلة، ففي غياب لغة الوجوه تضيع التفاصيل.

إن الذكاء العاطفي ليس مجرد مهارة، بل هو من أسس خلق علاقات ناجحة ومستدامة، فالحب الحقيقي لا يتغذى على القصائد، بقدر ما يتغذى على شعور الطرفين بأنهما مرئيان بوضوح وصدق؛ حيث يبدأ التفاهم العميق حين تستطيع قراءة قلق شريكك من مجرد نظرة شاردة، فعندما نعتمد على لغة البصيرة نتجاوز سوء الفهم، ونبني جسورًا من الثقة، لا تهدمها العواصف، وهذا الصدق المتبادل يخلق مجتمعًا أكثر تماسكًا وأقل زيفًا؛ حيث يصبح الإنسان أكثر وعيًا بمسئوليته تجاه نفسه ومشاعر الآخرين، بعيدًا عن زيف اللايكات والتعليقات.

تخبرنا الأمثال العالمية والعربية بحقائق راسخة في الأذهان؛ فالمثل الفرنسي يقول: "إن العين مرآة الروح"، "والمثل الياباني يرى: "أن العين تتحدث بصوت أعلى من الكلمات"، بينما المثل العربي البليغ يلخص الحكاية: "رُبَّ عَيْنٍ أَنْطَقُ مِنْ لِسَانٍ".

وتكتمل هذه الحكمة بأمثلة مصرية جميلة؛ حيث نقول: "العين غرافة"؛ تغرف ما في بئر الصدور لتضعه على ملامح الوجه، و"العين مراية القلب"؛ لا تزييف فيها.

ثقوا بذكاء ما تشعرون به أكثر مما تسمعوه، فالشخصية التي يغلب عليها الحدس تمتلك مجسات عاطفية، تمكنها من قراءة الوجوه ومعرفة أن الانكسار الحقيقي لا صوت له، وأن القوة العظمى تكمن في عينين ثابتتين رغم العاصفة.

هذا النوع من التعلم يتطلب هدوءًا داخليًا وتوقفًا عن تجهيز الردود أثناء حديث الآخرين، والكاذب، وإن استطاع تزييف المجلدات، يسقط دائمًا أمام نظرة تكامل الروح مع الملامح، التي تجعلنا نشعر بعمق بمن حولنا، نجد أن الألم الإنساني واحد، وأن الرغبة في الأمان مشتركة؛ مما يعزز قيم التعاطف والتراحم، بدلا من النقد والتحليل الجاف؛ فالإنسان الذي يدرك أن عينه تفضحه، سيحرص على أن يكون قلبه طاهرًا؛ لكيلا يخجل مما ستكشفه نظراته، وسيدرك حينها أن خلف كل شاشة إنسانًا له روح، وليس مجرد خصم في تعليق عابر.

صحيح أن الكتب تغذي العقل وتصقل الفكر، والكلمات قد تُكتب لتُخفي عنا أشياءَ.. لكن العيون خُلقت لتكشف، والدرس الأهم في الحياة ليس فيما تسمعه أذناك، بل فيما تلمحه بصيرتك، وتستشعره روحك، نعم الجمال يسكن في الوجوه، ولكن الحقيقة نجدها في العيون.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: