في مصر، برغم الضغوط والغلاء، والظلام والزحام، يمكنك أن تقضي ليلة رائعة، تستمتع فيها بالرقة والجمال، بالموسيقى والمسرح والأدب، بفنٍّ راقٍ أصيل، ينعش الوجدان وينبِّه الأفكار، بأقل تكلفة ممكنة في «مسرح لكل أفراد الأسرة»!
الجملة الأخيرة شعارٌ يرفعه «مسرح الغد» بالعجوزة، بقيادة الفنان سامح مجاهد، الذي يتبع البيت الفني للمسرح بوزارة الثقافة، وفيه حضرتُ هذا الأسبوع العرض المسرحي «أداجيو.. اللحن الأخير»، بطولة رامي الطمباري وهبة عبدالغني، من إعداد وإخراج السعيد منسي.
المسرحية مأخوذة عن رواية «أداجيو» للكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، الصادرة عام 2014 والحاصلة على جائزة «كتارا» للرواية العربية في 2015، وهي واحدة من أرق وأجمل روايات «الأستاذ» وأكثرها عمقًا أيضًا.
الحكاية الرئيسية في العمل الأدبي، الذي أجاد النص المسرحي تكثيفه وتقديمه برؤية بصرية جاذبة، تدور حول عازفة البيانو الشهيرة ريم التي يتم اكتشاف إصابتها بمرض خطير، وتحيا أيامها الأخيرة مع زوجها سامر بعيدًا عن الأنظار، في «فيلا» بمنطقة العجمي في الإسكندرية، التي تشهد «اللحن الأخير» من معزوفة حبهما، إذ جمعتهما قصة عشق نبيلة خالدة.
يبدو العمل، في أحد مستويات التلقي، عملًا رومانسيًّا، ناعمًا ومؤلمًا، وهذا صحيح، لكنه لا يتوقف عند هذا الحد، ففيه من الإشارات الكثير، إذ تغرق أرضيات الفيلا في المياه الناتجة عن طفح المجاري، التي تعجز في سبيل إزالتها الحلول، بينما تنتشر في المنطقة عصابات المخدرات والجريمة وخطف الأطفال لسرقة الأعضاء، أما البطلة نفسها فقد تم تشخيص مرضها في البداية خطأً باعتبار أنه صرع، لتكتشف بعدئذ أنه سرطان في المخ، لكن التشخيص الصحيح للعلة جاء متأخرًا، لذا فلا أمل!
وبينما تظهر بشكل مفاجئ فراشاتٌ تحلق حول ريم في ساعاتها الأخيرة، إيذانًا بالرحيل، نجد أن الزوج المحب سامر يقرأ خلال العرض المسرحي قبل تفاقم مرضها في كتاب «أثر الفراشة» للشاعر الكبير محمود درويش، ويقول للسائق عثمان الذي آزره في محنته إنه تنازل له عن الفيلا، لعله يهدمها ويبنيها من جديد، وفي النص الروائي للأستاذ إبراهيم عبدالمجيد يخبر سامر مدير أعماله بأنه سيغادر البلد بعد رحيل ريم، قائلًا: «لم يعد لي مكان هنا. مصر تعني ريم. لا شيء آخر»!
«أثرُ الفراشةِ لا يُرَى/ أثرُ الفراشةِ لا يزولُ/ هو جاذبيةُ غامضٍ/ يستدرج المعنى، ويرحلُ/ حين يتضحُ السبيلُ... هو مِثل أُغنيةٍ تحاولُ/ أن تقولَ، وتكتفي/ بالاقتباسِ من الظلالِ/ ولا تقولُ…/ أثرُ الفراشةِ لا يُرَى/ أثرُ الفراشةِ لا يزولُ!».. هكذا يقول محمود درويش.
ولهذا ربما، يبقى الأمل في «نور»، الشابة الصغيرة ابنة ريم وسامر، التي يدور -في الرواية- حوارٌ حول مصيرها بعد قرار أبيها الرحيل عن البلد، إذ يسأله مدير أعماله: «لكن ما ذنب نور؟ لا بد أنها تحب الحياة هنا»، ليجيب الأب: «كل أموالي هي لنور في النهاية. وهي تقرر ماذا تفعل. لا أظن أنها ستتركني وتعود».
ذلك هو السؤال؛ ماذا ستقرر نور؟! هل ستغادر مع أبيها بعد رحيل ريم؛ روح البلد، أم ستبقى لتحاول الحياة من جديد؟!.. «هي تقرر ماذا تفعل».. هي وأبناء جيلها يحددون ماذا يحدث في المستقبل!
أبدع المخرج السعيد منسي في تحويل النص الروائي إلى عمل مسرحي عبَّر بجاذبية عن المعاني العميقة في الرواية، مطَعمًا بأغانٍ جميلة من أشعار حامد السحرتي وألحان رفيق جمال، أداها الفنانان رامي الطمباري وهبة عبدالغني بصوتيهما، مما منح العمل مزيدًا من المصداقية التي اتسم بها بفضل أداء البطلين، وفريق الفنانين؛ جورج أشرف، وبسمة شوقي، ومحمد دياب، وجنا عطوة، وأحمد هشام، وأمنية محسن. ربما كان يمكن فقط زيادة مساحة الكوميديا نوعًا ما لموازنة ما في القصة من ألم، برغم أنه ألمٌ جميلٌ، محمَّلٌ بالمعنى والشعور.
قبل عامين، قالت لي الفنانة هبة عبدالغني إن أدوار البطولة الأولى حلم مشروع، فلا أحد لا يتمنى أن يكون الأفضل في عمله، لكن بعد الثورة في 2011 حدثت طفرة على مستوى الكتابة للدراما، وأصبح هناك تنوع كبير في الأعمال الدرامية، لذلك صارت ترى أنه ليس بالضرورة أن تكون بطلة أولى كي تقدم ما تريد تقديمه. كما أن النجومية اللامعة ربما يكون لها حسابات مرعبة، وضاغطة؛ لأنها مسئولية كبيرة، وهي مفيدة بالطبع لكنها مضرة أيضًا بنفس الدرجة، إذ تحرم الفنان من رفاهية أن يكون إنسانًا عاديًّا.
بعد مشاهدتي عرض مسرحية «أداجيو» تذكرتُ كلماتها، التي أوافقها فيها بالطبع، لكنني أيضًا ما زلت أحلم بأن يحصل مثل هؤلاء النجوم من الفنانين الحقيقيين على فرص أكبر، ومساحات أوسع، حتى تضيق -في نظري- الفجوة بين المعنى والرقم، بين القيمة والسوق، فها هي هبة عبدالغني وها هو رامي الطمباري، مع الاعتراف برسوخ نجاحهما بالطبع في الدراما، يبدعان في تقديم عمل فني ذي قيمة وجاذبية معًا، يحملانه على عاتقيهما، عندما أتيح لهما لعب أدوار البطولة.
«أداجيو ألبينوني»، هو عنوان مقطوعة موسيقية شهيرة، لا شك أنها قد داعبت أذنك من قبل، وأدعوك الآن بعد قراءة هذه السطور إلى البحث عنها للاستمتاع بها، وهي تُنسب إلى الإيطالي توماسو ألبينوني الذي عاش في القرن السابع عشر، إلا أن مؤلفها الحقيقي هو الإيطالي ريمو جيازوتو الذي عمل على التأريخ لـ«ألبينوني» وكرمه من خلالها، وبينما تم تأليف المقطوعة عام 1945 إلا أنها حصدت النجاح الكبير بعد 15 عامًا في 1960، ولا تزال حتى الآن تتردد في شتى الأصقاع بعزف أعلام الموسيقى.
أخيرًا.. يبقى أن أقول شكرًا لكل من شارك في هذا العمل الكبير؛ «أداجيو.. اللحن الأخير»، ولمن يسعون بصدق إلى تقديم فن راقٍ جميل، دون صخب أو ضجيج، ودون إرهاق لميزانية الأسرة المصرية، فلا تذاكر بالمئات أو الآلاف، إنما هي 42 جنيهًا فقط، قيمة تذكرة الحضور، لمن يَنشد الجمال!