سباق التسلح.. هل تعيد “القوة المستدامة” رسم مكانة الدول؟

28-4-2026 | 13:17

لم يعد سباق تسلح الجيوش في عالم اليوم سباق أرقام، ولا استعراضًا تقليديًا للقوة كما كان في الماضي، ما نشهده الآن هو إعادة تعريف كامل لمفهوم “القوة” نفسها، حيث لم تعد الكثرة والضخامة هي الفيصل، بل الكفاءة، ولم يعد الامتلاك هو الهدف، بل القدرة على الاستخدام الذكي دون استنزاف اقتصادي يهدد استقرار الدولة، وبمعنى آخر "القوة المستدامة".

التجارب الحديثة، من الحرب الروسية-الأوكرانية إلى الحرب الأمريكية الاسرائيلية-الإيرانية، كشفت بوضوح أن موازين القوة لم تعد تحسم فقط بالدبابات أو الطائرات الثقيلة، رغم احتفاظها بدورها الحاسم؛ فطائرة مقاتلة متقدمة مثل الرافال، القادرة على حمل ما يقارب 9.5 طن من الذخائر، F16 تحمل ما يقارب 6 طن، لا تزال تمثل ذراعًا ضاربًة عالية التأثير في زمن قياسي، ولكن بتكلفة تصل إلى مليون دولار للصاروخ الواحد.

في المقابل، ظهر مسار موازٍ لا يقل أهمية: الطائرات بدون طيار، الزوارق غير المأهولة، والمركبات ذاتية الحركة، الغواصات المسيرة. أدوات منخفضة التكلفة، عالية الدقة، يصل مداها في بعض الأحيان إلى 2000 كيلومتر، وتستخدم لتحقيق أهداف دقيقة دون الحاجة إلى عمليات واسعة أو نفقات ضخمة.

وهنا تكمن المفارقة.

هذه التكنولوجيا، رغم فعاليتها، لا تحسم الحروب بمفردها. قدرتها التدميرية محدودة نسبيًا -في حدود عشرات الكيلوجرامات- ما يجعلها مثالية لاستهداف الأهداف عالية القيمة صغيرة الحجم، أو تحقيق تأثيرات تكتيكية مؤثرة، لكنها تظل جزءًا من منظومة أكبر، خطط تعتمد على المعلومات الدقيقة.

بمعنى أوضح:

تساعد على الحسم… لكنها لا تحسم وحدها.

ما تغير فعليًا هو فلسفة الاستخدام. لم يعد السؤال: كم نمتلك؟ بل: كيف نستخدم؟

ولم يعد الهدف هو امتلاك أقوى سلاح، بل امتلاك “المزيج المناسب” من الأدوات وفق طبيعة المهمة.

الحرب الأوكرانية قدمت نموذجًا واضحًا لهذا التحول، حيث حملت بعض الضربات -خاصة تلك التي وصلت من كييف إلى العمق الروسي في موسكو- بعدًا معنويًا يتجاوز تأثيرها العسكري المباشر؛ الرسالة أصبحت أحيانًا أهم من الضربة نفسها.

وفي المقابل، أثبتت تجارب دول الخليج الأخيرة بنجاحها في تأمين منشآتها الحيوية، أن الاستثمار في منظومات الدفاع الجوي، والتكامل بين الأنظمة يمكن أن يحقق نسب اعتراض مرتفعة، وقدرة حقيقية على تأمين الأهداف الإستراتيجية، في بيئة تهديد معقدة.

لكن هذا لا ينفي حقيقة أخرى:

أن الدفاعات الجوية التقليدية لا تزال تواجه تحديًا أمام هذا النمط الجديد من التهديدات، خاصة مع استخدام مواد مركبة تقلل البصمة الرادارية للطائرات بدون طيار، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة، ويتطلب تطويرًا مستمرًا في وسائل الرصد والتعامل.

وسط هذا المشهد، تتغير خريطة القوة.

لم تعد “القوى الكبرى” محصنة من الضغط الاقتصادي لسباق التسلح، ولم تعد الدول المتوسطة خارج المعادلة. بل أصبح بإمكانها -عبر ما يمكن تسميته “التسليح الذكي”- تحقيق توازن ردع دون الدخول في سباق استنزافي.

في هذا السياق، تبدو التجربة المصرية أقرب إلى نموذج يسعى لتحقيق هذا التوازن الصعب.

فلسفة التسليح لم تعد قائمة على اتجاه واحد، بل على تنويع المصادر، إنتاج مشترك، وتحديث القدرات، والحفاظ على قوة تقليدية راسخة، بالتوازي مع إدخال أنظمة حديثة تواكب طبيعة التهديدات الجديدة.

مفهوم الردع هنا لا يرتبط فقط بامتلاك السلاح، بل بالجاهزية، والقدرة على استخدامه بكفاءة، وتوجيهه في التوقيت المناسب. وهي معادلة تتطلب توازنًا دقيقًا بين الإمكانات العسكرية والقدرة الاقتصادية.

وفي ظل إقليم شديد التعقيد، يظل التنسيق مع الدول العربية -خاصة دول الخليج- إحدى ركائز هذا التوازن، في إطار من العمل المؤسسي الذي لا يُدار عبر التصريحات، بل عبر قنواته الطبيعية.

الأكيد أن سباق التسلح لم يتوقف… لكنه تغير.

ومن لا يدرك قواعده الجديدة، قد يحقق تفوقًا عسكريًا مؤقتًا، ويدفع في المقابل تكلفة اقتصادية طويلة الأمد.

أما من ينجح في إدارة هذه المعادلة -بين القوة والكلفة، بين الردع والاستدامة- فهو فقط من يستطيع أن يحافظ على مكانته في عالم لم تعد فيه القوة كما كانت.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: