في المقالين السابقين المنشورين في 14 و21 إبريل 2026، قلنا إن قناة السويس لم تعد مجرد مجرى مائي، بل أصبحت فكرة تُدار، وصورة تُبنى، وثقة تُصاغ، وقلنا أيضًا إن استعادة هذه الثقة لم تعد مسألة حراسة ضفتين، بل بناء منظومة تمتد من الجغرافيا إلى البيانات، ولكن الحقيقة، كما تكشفها تطورات الأيام، أن هناك طبقة أخرى، أكثر خفاءً وأشد تأثيرًا، هي التي تُمسك الآن بخيوط اللعبة وهي طبقة المال.
فالقضية لم تعد، في جوهرها، هل القناة آمنة أم لا. فهذا سؤال تجاوزه الزمن. أما السؤال الآن فهو هل القناة قابلة للاستخدام في حسابات العالم؟ وبين السؤالين، كما يقولون، مسافة تُقاس بميزان القوى، لا بخرائط الجغرافيا.
لقد دخلت قناة السويس، مثل غيرها من الممرات الحيوية، مرحلة يمكن أن نسميها، دون مبالغة، مرحلة "الجيوبوليتيك المالي"، وهنا، لا تُقاس الأشياء بطول الطريق أو عمق الغاطس، بل بكلفة المخاطر، وبما تقرره شركات التأمين، وما تراه مراكز إعادة التأمين، وما تكتبه تقارير تُصاغ بعيدًا عن ضفاف القناة نفسها.
ولعل أخطر ما في هذا التحول، أنه لا يحدث في العلن، فنحن لا نرى سفنًا تُمنع، ولا نسمع طلقات تُطلق، لكننا نكتشف فجأة أن الطريق المفتوح لم يعد مفضلًا. وهنا تظهر واحدة من أخطر الظواهر في هذا الزمن، وهي ما يمكن أن نسميه "الإغلاق دون إغلاق"؛ فالقناة لا تُغلق، لكنها تُثقل بكلفة تجعل المرور فيها محل تردد؛ حيث تظهر ما يُعرف بعلاوة مخاطر الحرب، فترتفع أقساط التأمين، وتبدأ السفن في طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في مضمونه: هل الطريق الأقصر هو بالفعل الأرخص؟ وهكذا، وبهدوء كامل، يعاد رسم خريطة التجارة العالمية، دون أن يتحرك جندي، أو يُغلق ممر.
ثم يأتي البعد الثاني، وهو أكثر تعقيدًا، لأنه يمس شريانًا آخر غير البحر، وهو المال. فالنظام المالي العالمي، الذي يقوم في جوهره على الدولار وشبكات التحويل، لم يعد مجرد وسيط ينقل القيمة، بل أصبح أداة تتحكم في مسارها؛ حيث يمكن أن تُعطَّل المدفوعات، أو تُقيد، أو تُعاد توجيهها، دون أن تُمس السفن في عرض البحر. وهنا يتغير تعريف القوة. فلم يعد من يسيطر على الممر هو الأقوى، بل من يسيطر على السيولة التي تحركه؛ فالسفينة قد تكون قادرة على الإبحار، لكنها قد لا تكون قادرة على الدفع.
وعندما نضع هذه العناصر معًا، نصل إلى لب المشكلة، وهو أن أحد أخطر التهديدات التي تواجه القناة لا يأتي من مدفع أو صاروخ، بل من تقرير تأميني يُعيد تسعير المخاطر. تقرير واحد، قد يجعل الممر أقل جاذبية، دون أن يمسه أحد. وهذا هو التحدي الحقيقي: كيف نحمي القناة من أن يُعاد تعريفها من خارجها؟
الإجابة، في تقديري، تبدأ من الاعتراف بأن المعركة لم تعد في البحر وحده؛ وبالتالي، لا يمكن أن تُدار أدواتها بعقلية البحر فقط، ومن هنا، تبرز ضرورة التحرك في اتجاه مختلف، وهو استعادة السيطرة على منظومة التأمين نفسها؛ ليس بمعنى الانفصال الكامل عن العالم، فهذا غير ممكن، بل بمعنى بناء قدرة موازية، تمنحنا هامشًا من الاستقلال.
وفي هذا الإطار، تبدو فكرة إنشاء مجمع وطني-إقليمي لإدارة المخاطر البحرية والائتمانية خطوة ضرورية، وهنا، ليس الهدف أن نحل محل النظام القائم، بل أن نكون طرفًا فيه، لا تابعًا له؛ أن نملك ورقة تفاوض، لا أن ننتظر نتائج التفاوض.
ومن هنا أيضًا، تأتي فكرة إنشاء صندوق الضمان البحري السيادي، بتمويل مصري-عربي، يعمل كشبكة أمان للسفن التي تتعرض لارتفاعات مفاجئة في أقساط التأمين، وهذه ليست مجرد أداة مالية، بل رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، مفادها أن القناة لن تظل رهينة لتقديرات تُصاغ خارجها.
غير أن الطريق إلى هذا الهدف ليس سهلًا. فالعالم المالي، بطبيعته، لا يتسامح مع من يحاول كسر قواعده؛ وبالتالي، قد نواجه محاولات للتشكيك في مصداقية أي بديل، أو لرفض الاعتراف به، وقد نواجه أيضًا تحديات داخلية، تتعلق بقدرتنا على تحمل المخاطر، أو بإدارة هذا الكيان الجديد بكفاءة، لكن، في المقابل، فإن عدم التحرك يحمل خطرًا أكبر، وهو أن نظل في موقع المتلقي، بينما يُعاد تعريف القناة من الخارج.
ومن هنا، يصبح من الضروري أيضًا التفكير في أدوات مكملة، ويأتي في مقدمتها إقامة شراكات مع قوى آسيوية كبرى، مثل الصين والهند، لضمان الاعتراف الدولي؛ وتطوير رسوم عبور مرنة، تسمح بالتكيف مع الأزمات؛ وتقديم حوافز تجعل من القناة خيارًا يصعب تجاهله، حتى في لحظات الاضطراب.
في النهاية، يمكن القول إن المعركة الحقيقية لم تعد على سطح الماء، بل في عمق النظام المالي الذي يحكمه، وأن السيادة، في زمننا هذا، لم تعد تُقاس فقط بمن يمتلك الأرض، بل بمن يمتلك القدرة على تسعيرها.
تلك هي القصة… وما زال فيها بقية.
* رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية