حسنًا فعلت وزارة الأوقاف المصرية عندما عممت خطبة الجمعة قبل الأخيرة حول الانتحار، وأتى البعض في الخطبة وفي النقاش العام، على تسمية السويد بأنها وهي الدولة الأغنى في العالم، من حيث دخل الفرد، لكنها الأعلى في نسب الانتحار.
وهذا الأمر غير صحيح، لأن السويد ليست الأعلى، كما أنها ليست من أكثر الدول في معدلات الانتحار، وإنما تأتي فيما بين المراتب الـ38 أو الـ45 أو المرتبة الـ55 على العالم، تبعًا لإحصائيات متنوعة، وبالتالي هي لم تكن في الصدارة أبدًا.
وبالبحث وجدت أن من أطلق عليها هذه الكذبة هو الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، في تجمع للجمهوريين. فقد أزعجته السويد ونظامها الاشتراكي الديمقراطي، والتي حولت رفاهة شعبها إلى حقيقة واضحة، بينما هو غارق في محاربة الاشتراكية والشيوعية. كما أنه كان يهاجم من يعتقدون في أن السويد مرفهة بسبب نظامها الاشتراكي الديمقراطي، فقال "إن الاشتراكية أفقدت الشعب هناك الطموح والوازع الأخلاقي؛ لذلك زادت لديهم حالات الانتحار والإدمان والجرائم". وبالتالي فإن إدخال نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في السويد للولايات المتحدة، سيدمر الأمريكيين ويهيئ لهم الانتحار.
وبعد سنتين اعترف أيزنهاور بأن معلوماته كانت خاطئة، لكن الاعتراف والتكذيب لم ينشرا أبدًا، وظل الجميع يردد، في مصر وفي العالم، كذب أيزنهاور الصريح. وعلى الهامش أذكر، في جملة اعتراضية، بأن أيزنهاور والرئيس ترامب جمهوريان.
لقد تفنن كثيرون في ذكر أسباب ارتفاع معدل الانتحار في السويد (غير المرتفع أصلًا)، ومن بينها الرفاهية، وأحيانًا الاكتئاب بسبب الثلج والشتاء شبه-الدائم... إلى غير ذلك.
وقبل عام أو أكثر قليلًا قالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 700 ألف شخص في العالم ينتحرون سنويا، وأن 73% من حالات الانتحار وقعت في بلاد منخفضة ومتوسطة الدخل. وقائمة الدول الأكثر انتحارًا أو العشرة الأوائل، هي: ليسوتو، غيانا، إسواتيني، كيريباتي، ميكرونيزيا، سورينام، زيمبابوي، جنوب إفريقيا، موزمبيق، وإفريقيا الوسطى.
أما الأقل انتحارًا فهي غرناطة، وبربادوس، وبربودا.. وبالنسبة للمناطق فإن دول الكاريبي أقل منطقة في العالم في نسب الانتحار. والحمد لله فإن مصر تأتي في الترتيب العالمي برقم 158 من بين 182 دولة.
وجاءت خطبة الجمعة الموحدة بعنوان "سعة رحمة الله باب الأمل وسبيل النجاة"، واستهدفت نشر بذور الأمل في نفس المستمعين، ودعوتهم إلى الاهتمام بالمحيطين بهم، وكذلك الاهتمام بتوفير كل فرص الدعم للشخص الذي ضاقت به الحياة، والتذكير بالمسئولية تجاه من يعانون في صمت، وضمان تأسيس البيوت باعتبارها قلاعًا تحمي الأبناء من خطر الاكتئاب والانتحار.
وأعود إلى أيزنهاور لأذكر له أنه طالب إسرائيل بالانسحاب من سيناء وغزة بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، كما أنذر بريطانيا وفرنسا بضرورة الانسحاب فورًا، وهدد بعقوبات، فانسحبت دول العدوان.
وفي بعض التفسيرات الإستراتيجية، لم يكن أيزنهاور يريد حربًا عالمية ثالثة، لأن الاتحاد السوفيتي أعلن استعداده بالتدخل العسكري المباشر وإرسال قوات ومتطوعين، ولوح باستخدام أسلحة نووية، وكان ذلك في زمن القوتين العظميين، وليس مثل الوقت الراهن، حيث قوة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، تفعل ما يحلو لها، من دون قواعد أو احترام.