قبل عدة عقود، وتحديدًا بعد مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كانت المائدة المصرية تحتفظ بخصوصيتها التي استقرت عبر عشرات السنين، معتمدة على أنماط غذائية متوارثة تعكس هوية المجتمع وتقاليده.
غير أنه، ومع بداية هجمة المطاعم الغربية التي أخذت تغزو البطون المصرية تدريجيًا، برز صوت معارض لهذا التحول تمثل في الصديق الراحل الدكتور مصطفى عبد الرزاق نوفل، أستاذ التغذية بجامعة الأزهر، الذي انبرى محذرًا من تداعيات هذا الغزو الغذائي، ومؤكدًا أهمية الحفاظ على الهوية الغذائية المصرية. ورغم وجاهة طرحه، فقد واجه حينها مقاومة من بعض دعاة التغذية في مصر، حتى إن أحدهم لم يجد ما يهاجمه به سوى دافع الغيرة، متسائلًا بسخرية: "أليس للتغذية معهد؟".
كنت أعلم جيدًا أنه كان يقضي الليالي ساهرًا بحثًا عن معلومة تعزز من قيمة الغذاء المصري، محذرًا في الوقت ذاته من الاستسلام لهجمة الغذاء الوافد. وقد واجه في سبيل ذلك كثيرًا من العنت والتجاهل، بل ورفض محاولات الإغراء التي عُرضت عليه لتولي مراكز استشارية، مفضلًا الاستمرار في رسالته العلمية دون مساومة.
وخضنا معًا حملات صحفية على صفحات "الأهرام" ضد مخاطر زيت النخيل والزيوت المهدرجة وفول الصويا، في وقت لم تكن فيه هذه القضايا قد نالت قدرها من الوعي المجتمعي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فوجئ ذات يوم بتحطيم سيارته البسيطة التي كان يمتلكها، في واقعة بدت وكأنها رسالة ترهيب، لكنها لم تثنه عن المضي قدمًا في طريقه، بل زادته إصرارًا على استكمال رسالته، التي تُوجت ببرنامجه الشهير على التلفزيون المصري "صحة وعافية".
واليوم، وبعد مرور نحو ثمانية عشر عامًا على رحيله، لا يزال الفراغ الذي تركه واضحًا؛ إذ لم يستطع أحد أن يملأ مكانه أو يواصل، بالقدر نفسه من الإخلاص والصلابة، تلك المعركة من أجل وعي غذائي حقيقي.
ويحق لنا أن نعيد طرح السؤال ذاته الذي استُخدم يومًا للسخرية منه: "أليس للتغذية معهد؟"، لكن هذه المرة بجدية كاملة، في ظل ما نشهده من تداعيات صحية مُقلقة نتيجة التحول المتزايد نحو النمط الغذائي الغربي في حياة المصريين، خاصة بين الشباب، حيث تتراجع الأطعمة التقليدية أمام سطوة الوجبات السريعة، وتتزايد المخاطر الصحية المرتبطة بها بشكل لافت.
فبعد أن كانت المائدة المصرية تعتمد بشكل أساسي على الأطباق التقليدية مثل الفول والطعمية والكشري وغيرها، بدأت ملامح جديدة تتشكل، خصوصًا لدى فئة الشباب الذين باتوا أكثر انفتاحًا على تجارب غذائية متنوعة، في مواجهة مقاومة مجتمعية من أجيال تربّت طويلا على أفضلية الغذاء المصري.
ومع دخول المطاعم الغربية إلى مصر بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي، لم يعد تناول الطعام خارج المنزل رفاهية نادرة، بل أصبح جزءًا من الروتين اليومي لكثير من الأسر. وقد ساهم هذا الانتشار في تغيير المذاق العام، حيث أصبحت أطباق مثل البيتزا والبرجر والكريب من الخيارات الشائعة، بل والمفضلة لدى شريحة واسعة من الشباب.
ومن أبرز ملامح هذا التحول صعود الجبن كمكون أساسي في الوجبات الحديثة. فبينما كان استخدامه في السابق يقتصر على أنواع محددة مثل الجبن الأبيض أو القريش، أصبح اليوم عنصرًا رئيسيًا في العديد من الأطباق المستوردة. إذ لا تكاد تخلو بيتزا أو كريب من طبقات الجبن الذائبة ـ المُصنّعة غالبًا من الزيوت النباتية ـ التي أصبحت رمزًا للوجبات السريعة العصرية.
لا ننكر أن إيقاع الحياة المتسارع أسهم بقوة في هذا التغير؛ فالأطعمة السريعة يرونها توفر حلًا عمليًا لمن لا يملكون الوقت الكافي لإعداد وجبات منزلية تقليدية. كما ساهم انتشار خدمات التوصيل عبر التطبيقات في تعزيز هذا الاتجاه، حيث أصبح الوصول إلى هذه الأطعمة أسهل من أي وقت مضى.
ومع ذلك، يثير هذا التحول تساؤلات جدية حول تأثيره على الصحة العامة. فالإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالدهون والجبن قد يؤدي إلى مشكلات صحية مثل السمنة وأمراض القلب. وقد غاب عن كثيرين أن لكل بيئة نظامها الغذائي "الرباني" الذي يتناسب مع طبيعتها؛ فما يلائم الأجواء الباردة قد لا يتناسب مع البيئات الحارة، وهو ما قد يفسر ظهور أمراض جديدة أو تزايد معدلات أمراض قائمة نتيجة تبني أنماط غذائية وافدة.
ورغم ذلك، ظهرت في المقابل محاولات لدمج الطابع المصري مع الوجبات الحديثة، مثل تقديم كريب بحشوات شرقية أو بيتزا بمكونات محلية، في محاولة للحفاظ على الهوية الغذائية مع مواكبة العصر.
خلاصة القول؛ إن لم تحتفظ بهويتك الغذائية، فعليك أن تتحمل تداعيات ذلك الصحية. ولنا في تجارب دول عديدة عبرة، كما نرى في المطبخ السوري وغيره من مطابخ دول البحر المتوسط، مثل تركيا، حيث احتفظت هذه الدول بهويتها الغذائية، ونجحت في تطويرها، مقدمة نماذج تجمع بين الأصالة والمعاصرة في مائدة واحدة.