سيناء.. خط أحمر على الرمال

25-4-2026 | 15:03

لكل أمة ذاكرة، ولكل شعب قدر، ولكل أرض روح لا تموت. وسيناء، هي الأرض المقدسة من تراب الوطن، هي الفصل الأهم في كتاب الهوية المصرية، والشاهد الأمين على أن هذه الأمة لا تموت ولا تستسلم ولا تفرط في حقها مهما طال الزمن وتعاقبت المحن. وحين أقف اليوم، وقد جاوزت الخمسين من العمر، أتأمل ما جرى وما يجري على هذه الأرض الطيبة، أجدني مشدودًا إلى الكتابة عنها بقوة لا أعرف مصدرها، كأن ثمة واجبًا لم أؤده بعد، أو شهادة للتاريخ آن أوانها.

تعود بي الذاكرة كلما أقبلت ذكرى التحرير، فلا أجدني أمام مناسبة عابرة نحتفل بها ثم نمضي، ولكن أمام سؤال صعب يلح على العقل والقلب هو كيف استطاعت هذه الصحراء القاحلة أن تختزن من الأسرار ما تعجز عنه عواصم كبرى تملك المال والعدد والعلم؟ كيف تحولت هذه الرمال الصامتة إلى خط أحمر في ضمير الأمة، لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه إلا احترق؟ 

الإجابة تكمن في أن سيناء فكرة حية تسكن الوجدان المصري منذ آلاف السنين، وأن هذه الأمة لا تقبل الهوان ولا ترضى بالضيم، وأنها قادرة على قلب موازين التاريخ حين تعقد العزم وتملك الإرادة.

جبل موسى، في قلب سيناء، ليس كتلة من الصخور الصماء كما قد يراه الجيولوجي البارد العينين، جبل موسى كان مسرحًا للحظة فارقة في تاريخ البشرية جمعاء. هنا سمع موسى عليه السلام النداء العلوي: {اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى}. هنا تجلى الله لعبده واصطفاه للرسالة. هنا انفلق البحر بعصا موسى بقدرة القادر، فعبر المؤمنون وغرق الطغاة. هنا تاه بنو إسرائيل أربعين عامًا كاملة، لا لأنهم ضلوا الطريق جغرافيًا بين الوديان والشعاب، إنما لأنهم أضاعوا طريق القلب واليقين والإيمان. من يفهم هذا المعنى يدرك أن سيناء هي قدر ومصير، وهي لوحة ربانية رسمت فيها العناية الإلهية مشاهد من أروع ما عرفت الإنسانية.

تتوالى العصور، وتتعاقب الأمم وتتصارع الإمبراطوريات وتتبدل الدول، وتبقى سيناء شاهدة على كل ذلك. من طريق حورس القديم ما زالت آثاره باقية إلى اليوم، تشهد على قلاع رمسيس الثاني وحصون تحتمس الثالث، إلى طريق الحرب والسلام معًا، طريق الغزاة والفاتحين، طريق الذهب والنحاس والفيروز الذي زين تيجان الملوك وصدور الجميلات في قصور الفراعين. وفي العصور الوسطى، يعبر صلاح الدين الأيوبي سيناء في طريقه إلى بيت المقدس لتحرير القدس من براثن الصليبيين، تاركا خلفه قلاعًا شامخة تعلن للدنيا أن الطريق إلى فلسطين لا يمر عبر الحدود والخرائط والمعاهدات وحدها، بل يمر عبر قلوب الرجال الصادقة التي عاهدت الله فصدقت العهد وأوفت بالنذر. من يملك سيناء يملك مصر، ومن يملك مصر يملك الشرق كله. هذا ناموس التاريخ الذي لا يرحم، وهذه حقيقة صادمة أثبتتها آلاف السنين من الصراع والتنافس على هذه البقعة بالذات، وكأن القدر اختارها لتكون مفتاح المنطقة وقلبها النابض. 

بعد ذلك تأتي حرب 1967 ونكستها التي أوجعت القلوب وأدمت العيون، وجعلتنا نعيد النظر في كل شيء في عقيدتنا القتالية، في استعدادنا للحرب، في علاقتنا بالعلم والتكنولوجيا، وفي فهمنا لطبيعة الصراع مع عدو لا يعرف الرحمة ولا يقيم وزنًا للقانون الدولي أو الشرعية الدولية. ثم تأتي حرب 1973 ونصرها المدوي الذي أعاد لمصر كرامتها المسلوبة وللأمة كلها عزتها المفقودة. وهنا لا بد أن أقف وقفة إنصاف مع رجل أختلف معه في بعض ما ذهب إليه، لكنني لا أملك إلا الاعتراف بعبقريته الفذة وفهمه العميق لجوهر المعادلة السياسية والعسكرية. لقد فهم أنور السادات شيئًا غاب عن كثيرين غيره من القادة والسياسيين والمفكرين، هو أن السلام الحقيقي لا يصنعه الضعفاء المتهيبون الذين يهابون المواجهة ويخشون تبعاتها، إنما يصنعه الأقوياء الذين أثبتوا قدرتهم على خوض الحرب واقتدارهم على تحقيق النصر فيها. قال الرجل عبارته الشهيرة: "المستحيل ليس مصريًا"، ولم يقلها كشعار دعائي للاستهلاك الإعلامي العابر، بل قالها عن يقين عميق وإيمان حقيقي راسخ بأن هذا الشعب العظيم إذا آمن بقضيته ووحد صفوفه، فإنه قادر على صنع المعجزات وتخطي المستحيلات.

المثير للتأمل أن السادات عومل بظلم كبير بعد وفاته، وهذه طبيعة السياسة في بلادنا للأسف، حيث لا يكرم المرء إلا بعد موته، ثم ننقلب على إرثه ونختلف حوله وكأنه لم يصنع شيئا. اتهمه البعض بالمغامرة غير المحسوبة حين ذهب إلى القدس ومد يده للعدو، واتهمه آخرون بالتفريط حين وقع معاهدة السلام وطوى صفحة الحرب. لكن الزمن، وهو خير حكم وأنصف شاهد، أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه كان على صواب في قراءته للمستقبل. سلام السادات هو الذي أعاد لنا سيناء كاملة غير منقوصة بعد أن احتلت، وهو الذي جنب مصر ويلات حرب جديدة لا طاقة لنا بها ولا قدرة لاقتصادنا المنهك على تحمل أعبائها، وهو الذي فتح الطريق لعصر جديد من التنمية والبناء والتعمير.

ثم جاءت معركة من نوع آخر، معركة لا دوي فيها للمدافع ولا صفير للطلقات ولا صرخات الجرحى. معركة خاضها رجال من طراز خاص، رجال القانون والدبلوماسية الذين حملوا الوثائق والخرائط والحجج القانونية بدلا من السلاح، وأثبتوا للعالم أجمع أن الحق المصري التاريخي لا يسقط بالتقادم ولا يضيع بالنسيان ولا يمحى بالإهمال. إنها معركة طابا التي استمرت سبع سنوات كاملة من الجهد الدبلوماسي المضني والمفاوضات الشاقة والمرافعات القانونية المعقدة أمام محكمة التحكيم الدولية. ولا بد لي هنا، ومن منطلق الأمانة الفكرية والموضوعية التاريخية، أن أسجل كلمة حق للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، فهو الذي قاد هذه المعركة القانونية والدبلوماسية بصبر عظيم وحكمة بالغة واقتدار لافت، حتى اكتمل التحرير وتوج الجهد بعودة طابا الحبيبة إلى حضن الوطن الأم بعد طول غياب وطول انتظار.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات الطويلة من الكفاح والنضال والدماء والتضحيات، يأتي التحدي الجديد في صورة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفناه من قبل. لم يعد العدو يحتل أرضًا بالقوة العسكرية المباشرة كما حدث في 1967، بل جاءت المؤامرة في ثوب جديد ماكر خادع؛ مخطط إجرامي لتهجير أهل غزة المنكوبين إلى سيناء، لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها بالكامل، ولتحويل مصر إلى ساحة مفتوحة لأزمة أمنية وسياسية وإنسانية لا تطاق ولا تحتمل. عندها وقف الرئيس عبدالفتاح السيسي ليعلن كلمة الفصل التي لا تقبل التأويل ولا الاجتهاد: لا تهجير، لا تصفية، لا مساس بالسيادة المصرية. سيناء خط أحمر ومن يقترب منه يحترق. وخلفه وقف الجيش المصري الباسل بكامل عتاده واستعداده، والشعب المصري العظيم بكل أطيافه وفئاته وانتماءاته، متجاوزًا خلافاته السياسية والحزبية، صفًا واحدًا مرصوصًا كالبنيان المرصوص، ليؤكد للعالم أجمع أن هذه الأرض لنا، وأننا لن نفرط فيها مهما كانت الظروف والتحديات والإغراءات والضغوط.

أخطر ما يواجهنا الآن في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا ليس خطرًا عسكريًا مباشرًا يتهدد حدودنا، فجيش مصر قوي وقادر على ردع أي معتد، والوطن محروس بعيون أبنائه المخلصين وسواعدهم القوية. الخطر الحقيقي الذي يقلقني ويزعجني ويؤرق مضجعي هو خطر النسيان الذي يهدد الأجيال الجديدة. أن ينظر الشباب الذين ولدوا بعد حرب أكتوبر المجيدة وبعد معاهدة السلام وبعد استرداد طابا، إلى سيناء كأمر واقع مسلم به لا جدال فيه، كجزء طبيعي من خريطة الوطن لا يحتاج إلى دفاع أو تضحية أو بذل أو عطاء. أن ينسوا أن هذه الرمال الصفراء التي يمرون عليها في رحلاتهم وإجازاتهم الصيفية هي نفس الرمال التي رويت بدماء آبائهم وأجدادهم الزكية الطاهرة. أن ينسوا أن الحرية غنيمة تنتزع بحد السيف وعزيمة الرجال وتضحيات الشهداء. أن ينسوا أن السلام العادل المشرف يفرضه الأقوياء المنتصرون الذين أثبتوا للدنيا بأسرها أنهم قادرون على خوض الحرب وتحقيق النصر حين يكون النضال واجبًا والدفاع عن الكرامة ضرورة.

معركة سيناء لم تنته بعد، ولن تنتهي أبدًا. معركتنا اليوم هي معركة من نوع مختلف تمامًا، معركة التنمية والتعمير والبناء والاستثمار، معركة الحفاظ على الهوية المصرية والانتماء الوطني في زمن العولمة والذوبان الثقافي، معركة نقل هذه الشعلة المقدسة من جيل إلى جيل دون أن تنطفئ أو تخبو أو تضعف. وهذا هو واجبنا جميعًا، دولةً وحكومةً وجيشًا وشعبًا ومؤسسات ومجتمعًا مدنيًا وأفرادًا، كل منا في موقعه وكل منا بما يستطيع ويقدر عليه. إن التحدي كبير ومتنوع وممتد عبر الزمن والأجيال، لكنني على يقين كامل لا يتزعزع بأن هذه الأمة العظيمة، التي صنعت المعجزات عبر تاريخها الطويل، قادرة على أن تصنع المعجزة من جديد، وأن تحول سيناء إلى جنة خضراء عامرة بالحياة والخير والنماء، كما كانت دائمًا في قلب كل مصري حر شريف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: