كثرت الشكاوى من خيانات الأصدقاء، ولمنعها يجب ألا نتسرع بمنح "مكانة" الصديق والتدرج في ذلك -مهما تقربوا منا وأبدوا الود- وعدم تجاهل تحذيرات المقربين منا ووضعهم طويلًا في منزلة المعارف قبل نقلهم إلى مكانة الأصدقاء.
يؤكد الواقع ألا أحد ينام مخلصًا لصديقه ويصحو خائنًا له؛ فالخيانة لها مقدمات نتجاهلها أحيانًا -مع الأسف- وقد نبررها لأننا لا نتوقع من الصديق الخيانة أو "لا" نريد تصديق ذلك، وندفع الثمن غاليًا فيما بعد.
من هذه المقدمات عدم نصحنا بما يفيدنا "وتزيين" ما يضرنا، وعدم احترام أوقاتنا، والتطفل علينا "واستغلالنا" ماديًا أو عاطفيًا، وتحميل الآخرين "كل" المسئولية عن مشاكلنا، والمؤكد أن هذا غير واقعي؛ فإن كنا دومًا نتعرض للظلم وسوء الفهم، فلا شك أننا نساهم في ذلك، ولو بسوء اختيارنا لمن نثق بهم أو لأننا لا نحسن تقديم أنفسنا أو لا نتقن مهارات التعامل ومن "لا" ينبهنا لذلك فهو "ليس" صديقًا، وإن طالت علاقتنا به لسنوات.
الوقاية أفضل من العلاج حقيقة تؤكدها الحياة، وخاصة في خيانات الأصدقاء؛ حيث نتجنب الكلفة النفسية المؤلمة عند التعرض للخيانة فضلًا عن باقي الخسائر؛ فالصديق غالبًا يعرف أدق الأسرار، وبطول العشرة "والفضفضة" بلا حدود تجعله يكتشف مواطن الضعف أيضًا، ويتمكن بسهولة عند الخيانة من استغلالها، وكأننا نقدم له بأيدينا الخناجر "المسمومة" التي يستطيع طعننا بها متى رغب.
لا نحب التشكيك في كل الأصدقاء؛ ولكن الحذر مطلوب وهو اختيار ذكي؛ فالحذر "ينبهنا" إلى عدم الاسترسال في الحديث عن أنفسنا، خاصة عند وجود صديق "يستمع" جيدًا، ويبدي "التعاطف"، فغالبًا ما نقول ما سنندم عليه.
وتزداد الرغبة في الكلام في الحزن الشديد، أو في الفرح؛ فلننتبه عندئذ ولنقم "بفرملة" هذه الرغبة، مع ضرورة منع اختلاط الأصدقاء من الجنسين مع الأسرة، ونلتقي بهم خارج البيوت، فقط منعًا للمشاكل.
قد نحرض -دون تعمد بالطبع- الصديق على الاستهانة بنا، ومن ثم الخيانة التي تتجاوز الأذى المادي أو إلحاق الضرر بإفشاء الأسرار، وتصل إلى عدم احترام مشاعرنا، والتعامل معنا كأحد "الممتلكات" الشخصية له ويحدث ذلك مع الصديق "السيئ" بالطبع فقط لأنه لا يجيد تقدير الحب الزائد له والتفاني في الوقوف بجانبه ودعمه في الأزمات، وتجاهل أنه لا يبادلنا هذا الحب ولا يدعمنا.
لنتدبر قول الإمام علي كرم الله وجهه: "أحبب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما؛ وأبغض بغيضك يومًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما."
فالمبالغة في حب الصديق تضر؛ والكثيرون من الجنسين ومن كل الأعمار يقعون أحيانًا في خطأ "تفضيل" الأصدقاء على أفراد الأسرة، وعلى الوالدين وشركاء الحياة؛ ويخبرونهم أحيانًا بمشاكلهم الأسرية والزوجية؛ ولا توجد حياة بلا مشاكل و يستمعون لنصائح الأصدقاء وينفذونها دون تفكير، وقد تكون في غير صالحهم لرغبة أصدقائهم في "الاستئثار" بحبهم وجعلهم يدورون حولهم وحدهم، وهذا من الخيانة التي لا يتنبه إليها الكثيرون مع الأسف؛ فالصديق المخلص لا يحرض أبدًا على الأسرة أو على الوالدين وشركاء الحياة، بل يشجع صديقه على حل مشاكله معهم بالود واللطف، ولا يدفعه لصدام معهم، ولا يبرر له أخطاءه معهم، وينبهه بلطف لحمايته من الخسائر، ولا يوافقه على ما يؤذيه ليبدو محبًا له.
يتجاهل البعض أن من يصفونه بالصديق يتعامل معهم كحائط للمبكى، أو كمكب للنفايات، فلا يخبره إلا بالمشاكل فقط، ويخفي عنه أخباره الجيدة "ويتخلى" عنه أثناء الأزمات، ويبرر ذلك بأسباب يرفضها العقل، ويجب عدم قبول ذلك حتى لا ندفعه للمزيد من الخيانة ولا نفضل المواجهة؛ فسيتبادلان الاتهامات وربما يحتدان، والأفضل إنهاء الصداقة بلا حدة، وإذا سأله لماذا لم نعد نتقابل؟ فليجب: عندي ظروف خاصة وأتمنى لك كل الخير.
خيانة الصديق تؤلم أكثر؛ لأننا لا نتوقع منه الغدر ونمنحه الثقة الكاملة ويجب وضع حدود للثقة، وعدم تجاهل ما "يخدش" الثقة الكاملة؛ كالغيرة أو المجاملة الزائدة فهي تضر ولا تفيد وقد تزين لنا التراجع.
أحيانًا نفضل الصديق على أنفسنا، ويجب ألا نفعل ذلك "إلا" عند مروره بمحنة؛ حتى لا يعتاد ذلك، ثم يتعامل معنا وكأننا يجب علينا ذلك، وكأنه يتفضل علينا بالصداقة، وهذه خيانة لجوهر الصداقة، وهي "تبادل" الود والتقدير والاحترام وحسن الاستماع، والاحتفاظ بالأسرار والدعم والنصح "بإخلاص".
ندعو لتذكر القول الرائع: "احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة"؛ فالعدو نضع مسافات بيننا وبينه ونحرص ألا يعرف عنا خططنا في الحياة؛ حتى لا يسعى لتعطيلنا، أو مشاكلنا كي لا ينتهز الفرصة لإضعافنا، ولا ندخله بيوتنا بالطبع ولا نجعله يتواصل مع أفراد الأسرة أبدًا.
أما الصديق فكثيرًا ما نفعل معه كل ذلك، وهو "خطأ" شائع؛ فلابد من الاحتفاظ بأكبر قدر من الخصوصية حتى مع الأصدقاء، ليس من باب الحذر فقط، ولكن أيضًا لأن "بعثرة" تفاصيل حياتنا تفقدنا "الهيبة" والتقدير الذي نستحقه وتُلقي بنا في مشاكل كان بإمكاننا تجنبها لو قل ما يعرفه عنا الآخرون، ومنهم الأصدقاء الذين يجب أن نكتفي بتبادل الخبرات والأمنيات الطيبة وقضاء "بعض" الأوقات اللطيفة معهم.