حين تغيب الأمانة.. لا تكفي الخبرة

25-4-2026 | 14:56

ليست هذه قصة للتشهير، ولا محاولة لتصفية حساب، بل حكاية واقعية تعمدتُ إخفاء أسماء أبطالها، لأن الهدف ليس الأشخاص، بل ما تكشفه من خلل يتكرر في حياتنا أكثر مما نتصور.

بطل القصة صديق لي، كان يعاني من آلام مبرحة في العمود الفقري. قصد مستشفى استثماريًا كبيرًا في أحد الأحياء الراقية، حيث كشف عليه أستاذ جامعي شهير، وأبلغه بأن حالته تستدعي جراحة عاجلة لتثبيت الفقرات، وأن التأخير قد يزيد الوضع سوءًا.

كان صديقي يميل إلى التريث، انتظارًا لصديق له وهو طبيب جراح مصري يعمل في ألمانيا ويثق به، وكان قد سبق ان أجرى له جراحة ناجحة في فقرات الرقبة. لكن تحت وطأة القلق، وازدياد الألم، وضغط عامل الوقت، اتخذ القرار وأجرى العملية.

لم تكن النتيجة كما وُعِد.

بعد الجراحة، لم تتحسن حالته، بل تفاقمت الآلام بشكل غير محتمل، ليلًا ونهارًا، دون استجابة حتى لأقوى المسكنات. عاد إلى الطبيب يشكو، فأخضع في كل زيارة لفحوصات جديدة مكلفة، من بينها أشعة رنين مغناطيسي. ثم في النهايه يراه الطبيب المعالج ويطمئنه : “كل شيء على ما يرام، انت بخير، العملية ناجحة.”
لم تُعرض عليه النتائج، بل احتفظ بها الطبيب في ملفه بالمستشفى.

تكرر المشهد أكثر من مرة، بنفس النتيجة، وبنفس النبرة الواثقة انه بخير، والتي وصلت أحيانًا إلى حد المزاح انه يمكنه -إن أراد- الزواج مرة أخري، بينما الألم يزداد.

حين بلغ الأمر ذروته، تم تحويله إلى متخصص علاج ألم داخل نفس المستشفى، ثم إلى خبير ألم زائر من الولايات المتحدة. ورغم ذلك، لم يتغير شيء.

في لحظة يأس، تواصل مع صديقه الطبيب الذي يثق به في ألمانيا، وأرسل له صور الأشعة بعد العملية.

جاء الرد صادمًا: العملية أُجريت بأخطاء جسيمة، لا يقع فيها حتى طبيب مبتدئ، من بينها عدم وضع دعامات بين الفقرات. وكان الحل واضحًا: إعادة الجراحة.

سافر إلى ألمانيا، وخضع للعملية مجددًا.
النتيجة؟ تحسن ملحوظ وصل إلى نحو 80%، واستعاد قدرته على الحركة والمشي دون مساعدة.

المفارقة التي تستحق التوقف، أن أحد العاملين في شركة صديقي كان يعاني من مشكلة مشابهة، وأجرى عملية مماثلة في مستشفى حكومي داخل مصر، على يد طبيب لا يحمل نفس الألقاب اللامعة، لكنه التزم بأصول المهنة… فتعافى.

بين التجربتين، يظهر سؤال لا يمكن تجاهله:

هل كانت المشكلة في نقص الخبرة… أم في غياب الأمانة؟

ما تكشفه هذه القصة يتجاوز حالة فردية، ليطرح قضية أوسع تتعلق بجوهر الممارسة الطبية:

فالطب ليس مجرد مهارة تقنية، بل مسئولية أخلاقية قبل أي شيء.

والشفافية ليست خيارًا، بل حق أصيل للمريض، يبدأ منإاطلاعه الكامل على حالته ونتائج فحوصاته.

كما أن طلب رأي طبي ثانٍ لا ينبغي أن يُفهم كتشكيك، بل كحق طبيعي، خاصة في القرارات المصيرية.

كذلك، تطرح القصة تساؤلًا مهمًا حول معايير الثقة: هل تُبنى على المكان، أم على الإنسان؟

فليست كل مؤسسة فاخرة ضامنًا للجودة، كما أن الإمكانات المحدودة لا تعني بالضرورة تدني مستوى الخدمة.

يبقى الأهم، وهو غياب آليات فعالة للمساءلة. ففي غياب المحاسبة، لا يصبح الخطأ استثناءً… بل احتمالًا قائمًا.

حين لا يُراجع الخطأ، ولا يُحاسب المقصر، يتحول الإهمال من حالة فردية إلى نمط قابل للتكرار.

وفي ظل ذلك، يصبح المريض الطرف الأضعف، يدفع ثمن قرار لم يُتح له أن يفهمه كاملًا، أو يناقشه بحرية، أو يتحقق منه بشكل مستقل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة