السخرية كانتصار مؤقت

23-4-2026 | 15:59

إنها السخرية، فقد حذف موقع «يوتيوب» قناة فرنسية حصدت ملايين المشاهدات لأنها تسخر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ القناة تطلق فيديوهات مولّدة بالذكاء الاصطناعي بطريقة مكعبات "ليجو" الشهيرة.

وقد ساق الموقع في بيان رسمي عدة أسباب لا داعي لعرضها أو تكرارها أو تفسيرها.. فليس هذا مهماً.. المهم، السخرية في حد ذاتها؛ هل ما زالت سلاحاً فاعلاً وفتاكاً؟! وقادرة على إحداث تغيير في كثير من الأمور؟

منذ يومين شاهدت فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي من قناة مصرية تسخر من الحرب الإيرانية الأمريكية، الفيديو حصد نحو 15 مليون مشاهدة بسبب فكرته البسيطة الساخرة والسهلة.

ونحن نعلم جيداً، على الأقل هنا في مصر، أنك إن أردت أن تنشر أي شيء وتجعله يصل أسرع للناس، غلفه بغلاف الضحكة والبسمة والنكتة..
والمعنى كما قال جورج برنارد شو: "إذا أردت أن تقول للناس الحقيقة، فأضحكهم، وإلا قتلوك". شئنا أم أبينا، تظل السخرية من الحكام والمديرين المتعجرفين والمآسي والقهر والظلم والحروب التي تمر بها الأمم هي واحدة من صور الكفاح لكل هذه الفواجع.. رضينا أم لم نرضَ.
هي الملاذ الأسرع، والعلاج غير المعقد، والحل الأسهل.

فبدلاً من أن ينكمش الإنسان وحيداً في ركن بعيد، كالجريح الذي يلعن الدنيا ويودّعها، ثم يذرف دموعاً كالأنهار.. أو يطلق آهات كأنها آخر صلواته على قبر أحلامه.. راح يبحث عن صيغة أبلغ وأعمق وأشدّ حيوية، وقد تكون أسهل أيضاً؛ صيغة تحول الهزائم المتتالية التي سحقت كيانه وعالمه إلى انتصارات.. انتصارات صغيرة نعم، مؤقتة بالتأكيد، لكنها كافية ليبتسم الإنسان في وجه القدر الذي ظنّ أنه قد كسره!

فهل السخرية والضحك هما أبلغ الوسائل التي استعملها الإنسان للتعبير عن غضبه، أو تمرده، أو ثورته.. أو حتى حزنه في ليالي شتوية طويلة مظلمة بلا كهرباء؟!

استخدمها المصريون ضد الاحتلال الإنجليزي.. والأوكرانيون ضد الروس، والإيرانيون ضد أمريكا.. واستخدمها الإنجليز ضد الفرنسيين.. والفرنسيون ضد الإنجليز، حينما كانوا أعداءً تقليديين، وظهرت بينهما كتب لا يمكن حصرها تناولت "الآخر" بالسخرية في العمل والمرح والسياسة والحرب‏.

وقديماً أدرك الجاحظ مدى تأثير فن السخرية في توصيل رسالته.. ولِمَ لا وهو مؤسس الأدب الساخر في العربية؛ ففي كتابه «البخلاء»، سخر من الطبقات الاجتماعية ومن النفس الإنسانية حينما كتب سرداً فكاهياً لحياة البخلاء في مواجهة المال والجشع والوهم.

أما حديثاً، فالسخرية لها عدة صولات وجولات ولم تعد تقتصر على الكتابة فقط، فأصبحت فن كاريكاتير أو "ستاند أب كوميدي"، أو عبر فيديوهات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تحول أجساد الطغاة والظالمين إلى أي شيء متخيل؛ إما رسوم بالقلم الرصاص، أو كقطع "الليجو"، أو حتى أكياس منتفخة الهواء مثل البالونات، يمكنك "إفراغها" في أي وقت.. انتصار مؤقت.. لكنه لذيذ وممتع.

تماماً كأنما يدرك الإنسان أن السخرية من نفسه ومن همومه ومن الذين تسببوا في ظلمه وإيذائه وشقائه، تمنحه لوهلة بعض التنفيس والتفريج عن كربه.

أو كأن الإنسان اكتشف سراً صغيراً لتوه.. أن يسخر من نفسه قبل أن يسخر منه العالم.. كأنه ينزع شوكة بيده، بدلاً من أن تظل تغوص في لحمه.. لحظة ضحك… تكفي ليأخذ نفساً، ثم يمشي.. ثم يواصل الحياة.. ثم يقاوم ويتصدى بثورة أو ثأر أو فيديو يظهر من ظلموه بشكل مهين وساخر.. في إطار من التهكم والضحك يصل مداه إلى كل بقاع العالم ليعرفوا أن هناك من لا يزال يقاوم.. لا يزال على قيد الحياة.

كلمة: إننا لا نسخر لأن الحلول "مضحكة"، بل لأن الواقع "سخيف". 

إكس: @ahmedtantawi

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: