إِيَّاكَ نَعْبُدُ …

23-4-2026 | 15:49

العبودية لله، عِزٌّ وشرفٌ، يأخذ بها العبد خَيْر سيده، أما عبودية البشر للبشر، فمهانةٌ ومذلَّة، حيثُ يأخذ السيد خَيْر عبده، ويحرمه ثمرة كَدِّه.
في كل صلاة، كل ركعة، لا بد من قراءة سورة الفاتحة، وفيها: إِيَّاكَ نَعْبُدُ..

إقرارٌ كاملٌ، بوحدانية الله تعالى، وتفرده سبحانه، دون غيره، بالعبادة..

إِيَّاكَ نَعْبُدُ، المفعول به (إِيَّاكَ) تقدم على الفعل والفاعل (نَعْبُدُ) للتأكيد على معنى الوحدانية. وهو أفضل تعبيرًا من نعبدك (الترتيب المعتاد) الفعل ثم الفاعل، ثم أخيرًا المفعول به. في نعبدك: نعبد (الفعل) الضمير المستتر نحن (الفاعل) الكاف (المفعول به).. 

فالتقديم والتأخير، بالمخالفة للمعتاد، يؤكد على تفضيل المتقدم على المتأخر، في الأهمية. ولأن هذه العبادة، بحاجة إلى مساندة من الله، جلت قدرته، إذ سيكون الشيطان، وكثير من البشر، أعداءً لها! وسيكون في هؤلاء البشر أصلاً، وبإيعاز من أنفسهم، ومن الشيطان أيضًا، عابدون لغير الله! لذا جاءت: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ..

عندما تقرأ في تاريخ العبودية، تجد العبيد نوعين: عبيدًا مجبرين مهزومين، وعبيدًا يعشقون الاستعباد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، انقسم العبيد في أمريكا، قسمين: عبيد المنازل، و عبيد الحقول!! عبيد الحقول، يعيشون في قهر وذل، ويخدمون في الحقل، ليل نهار!!

بينما كان عبيد المنازل، يُعدون من طبقة العبيد المرفهة! إذ كانوا يأكلون بقايا طعام أسيادهم، ويلبسون ملابسهم القديمة، ويخدمون في بيوت أولياء نعمتهم، البيض!! وكلما اجتمع عبيد الحقول، لتحرير أنفسهم من العبودية، مستندين إلى مبادئ العدل والحرية، خالفهم عبيد المنازل المنتفعون، وسارعوا في نقل أخبارهم، وترتيبات ثورتهم، لأسيادهم، فيقوم هؤلاء الأسياد، بتعذيب عبيد الحقول، وهكذا يفشل حلمهم في الحرية، وتموت ثوراتهم في المهد..

والغريب في الأمر، أن العبيد المنتفعين، كانوا يفعلون ذلك، لا لهدف أو لحكمة، بل لأن بقايا الطعام والملابس، التي يتحصلون عليها، أغلى عنــدهم من حريتهم!! وهؤلاء، في كل زمان ومكان، هم سبب فشل أية محاولة، للحصول على الحرية!! بعد القبض على جيفارا في مخبأه الأخير، بوشاية من راعي أغنام، سأل أحدهم الراعي الفقير: لماذا وشيتَ عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم، و عن حقوقكم ؟! فأجاب: كانت حروبه مع الجنود، تروع أغنامي! كانت تلك حسابات الراعي، استعذب العبودية، وعاش أسيرًا لها، وكانت أغنامه منتهى أمله، ولم يُلقِ بالاً بأية تضحيات يبذلها آخرون!

قال أحدهم: الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران في جسده، كي ينير الطريق لشخص ضرير!
العبيد هاربون دومًا من الحرية، فإذا طردهم سيد، بحثوا عن سيد آخر! ففي نفوسهم حاجة ملحة ومستمرة، إلى الذل والعبودية. أما العبودية لله، فهي منتهى الحرية، والله تعالى يغفر الذنوب جميعًا، إلا لمن شاركه في العبودية، وادعاها لنفسه، ظلمًا وبهتانًا. العابد لله حقًا، لا يؤذي مخلوقًا، ولا يظلم إنسانًا، ولا ينتقص منه، ولا يحني جبهته إلا لله، فالله وحده كافيه، وهو حسبه. وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابُ كاد الله، جل شأنه، أن يُنجي فرعون من الغرق، لو استغاث بالله، لا بموسى عليه السلام، رغم مكانة موسى العالية، فهو كليم الله، ونبيه ورسوله، ومن المقربين، أولي العزم.

ولذلك، المؤمنون كلهم أمل في مغفرة الله تعالى وعفوه، ولسان حالهم: يارب، يا من صبرتَ على فرعون، وهو يقول: أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى.. اغفر لِعَبْدٍ سجد وقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى … لا تكن عبدًا لبشر، ولا لشهوة، ولا لدنيا زائلة، فكلها أحبال ذائبة، وأكاذيب واضحة جلية، بل كُنْ عبدًا لله: ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدتُ بأخمصي أطأُ الثريا دخولي تحتَ قولِك يا عبادي وأن صيّرتَ أحمدَ لي نبيًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة