تطور العلم بدرجات تبدو أحيانًا مرعبة؛ لا سيما حينما يتم استغلال هذا التطور بشكل مضر؛ والأمثلة التي يمكن طرحها كثيرة. ولكن يمكن أن نعرج على عدة نماذج بسيطة؛ قد تكون كاشفة وموجبة للحرص والحذر.
منذ اختراع وسائل التواصل الاجتماعي؛ وبات هناك نشر لكل ما يتعلق بأمور الإنسان الشخصية. من صور وبيانات خاصة؛ أحيانًا تكون شخصية للغاية. ونتعجب من نشر ما لا يخص أحدًا غير صاحب البيانات؛ ومع ذلك تنشر تلك البيانات بأريحية عجيبة. ولست أفهم هل النشر من باب التباهي أم مشاركة الناس أمرًا لا يخصهم. باعتبارهم من المقربين!
ما نلاحظه مؤخرًا هو نشر صور لمناسبات خاصة جدًا؛ وكذلك نشر صور لكل التحركات؛ باعتبار أنها تحركات عامة. والأمر ليس كذلك بالطبع.
أما الأغرب فهو التعامل مع شات جي بي تي. على أنه صديق. ولا أفهم من أين بدأت تلك الصداقة التى تجعلك تعطيه كل ما يتعلق بك. من أمورك الخاصة جدًا جدًا. وتنتظر منه نصائح وما شابه. بل أحيانًا يتم التعامل معه على أنه طبيبك الخاص. وتلك كارثة بكل المعايير. كيف تأخذ وصفة طبية من برنامج لا تعرف من يديره ولا لصالح من؟!
الأمر لا يقف هنا؛ بل تجاوز ما لا يمكن أن يقبله العقل. فكل ما يتعلق بك أعطيته طواعية لنظام، وبات هناك ملف كامل عنك. يحمل كل بياناتك العامة والخاصة جدًا.
في الحرب الأخيرة. نجحت الضربات على إيران في استهداف عدد غير قليل من القيادات بسبب توافر معلومات كاملة ودقيقة جدًا عن كل قيادة. بل كانت هناك معلومات عن خطوط السير على مدى سنوات مضت!!
ومن ثم بات الولوج للنظام أمرًا سهلًا للغاية.. الأمر أخطر مما نتخيل؛ وبات عدد منا يسلم نفسه لجهات غير معلومة.. تراقبه؛ وتنظر في أمره. وتعرف عنه ما لا يعرفه الأقربون. بما فيهم الأب والأم وأصدق الأصدقاء.
دعوة أعتبرها غاية في الأهمية لمراجعة النفس؛ ولضبط إيقاع العلاقة بيننا وبين وسائل التواصل الاجتماعي. التي تجاوزت حدودها لأبعد مما نتخيل.. وأمست وسائل الرقابة الاجتماعية بكل ما تعني الكلمة من معنى.
نحن في حاجة ماسة لعودتنا لقيمنا الجميلة المفقودة؛ التي كانت تعي قيمة وقدر الخصوصية وتحافظ عليها وتجلها، وتعلي من قيمتها وقامتها بشكل لا يحتمل اللبس على الإطلاق.
[email protected]