كلما اشتدت الكروب وتعانقت المحن، خشيت عليكِ يا سيدتي من كل هم ومن أبسط الألم، أوجه حديثي إليكِ أيتها المرأة التي صارعتها الحياة، وجمعت لها من صنوف العذاب ما ينوء بحمله الجبل الأشم؛ فأنتِ ومنذ الأزل كان هذا مقدورك الذي سطرته على جبينك كل مسئوليات الحياة، جمعته لك من كل حدب وصوب، ثم ألقت به على عاتقك الذي تحمل فوق طاقته، كم صارعتك مختلف معارك الحياة التي اقتضت منك صبرًا لا أول له ولا آخر.
أخاف عليكِ من تضارب في المواقف والآراء، تنتشر تتعاظم ولا تتوقف، مقادير ترفع من لا وزن له وتحط من شأن أصحاب الخصال الحميدة ذوي المكارم وطيب الأصل، ها هي الحياة تسطر ملحمة أخرى فرضت عليك، لكنها أصعب من كل مرة، كأنك ورثت الأوجاع وناصبت العداء لكل ما هو هين مريح سهل، تضاعفت مسئولياتك من رعاية لأسرة، وتربية لأبناء واجهوا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
المرأة بكيانها الذي جبلها الله عليه راحت الآن تتخبط، تتوه في الدروب لا تدري لأي من هذه الأبواب تقترب، وعلى أيها تقرع، المرحلة تزداد صعوبة والأحمال لم تزل تتزايد وتتفاقم، المشكلات تتحد وتطلق سهامها على كل معتاد صحيح صائب، الأنوار تتقلص والارتباك صار حاضرًا، بل هو سيد المشهد، الاختلاف عن مجتمع ترعرعت فيه أصبح مألوفًا، وهنا تكمن المعضلة والبلوى، عندما يصبح الخطأ صوابًا وحين تأخذ المغالطات طريقًا أسهل تحقق من خلاله الهدف الذي ينسق الصورة كما يحب وكما يرغب.
سيدتي آراكِ أنتِ الآن تصارعين وحدك كل مستجد أهوج فرض لنفسه وجودًا من العدم، أعدت له مكانًا ومكانة بقلب مجتمع تغيرت معاييره -معظمهاـ وسادت بأنحائه أفكارًا لا تعبر عنه ولا تمت لماضيه بصلة، تزداد مخاوفك على جيل من الأبناء تشتت، اغترب وسط أناس اتبعوا كل ما بثه لهم الغرب، الغرب الذي عاش زمنًا وإلى الآن على حلم ورغبة الإفساد في الأرض، على أمل في تغيير فطرة سليمة حملها الإنسان أمانة طوقت عنقه وسارت مسار الدم بعروقه.
يدي تسبق يد كل امرأة تحاول وتحرص دومًا على السباحة ضد تيار شديد عارم، تيار يهدد بهدم قيم وتقاليد، بقضاء على عادات تمسك بزمام كل أمر ورثناه عن آباء وأجداد غرسوه بنا وبقلوبنا، علقوها بأعناقنا أمانة، قلدونا بقلادتها التي تشهد على نجاح تجربة سابقة وعلى مدى عمق الأثر، تدعونا لمواصلة المسيرة بكل دأب دون تردد وبلا خوف من إخفاق ينتظر الجميع في نهاية المطاف والمشهد.
كان الله في عون تلك المرأة التي تمسكت بما نشأت وتربت عليه، فكم من مشكلات حدثت بسبب خلاف دائم دب بقوة بين أم وأبناء وجدوا فيما تعلمته خيالًا لا يطبق وفي تقاليدها سجنًا تتنوع فيه أصناف العذاب والألم، كم من مرة حاولت إقناعهم بأن ما تدعوهم إليه هو الحق وبأن ما اتبعوه من عادات مختلفة هو الباطل، لينتهي الأمر بأن المجتمع الذي عاشت في ظله الأم هو الأسوأ، وأن ما اتبعوه هم الآن هو الأفضل والأحسن.
لا تيأسي ولا تبكي، قاومي بكل ما أوتيتِ من قوة، فكل دعوة للحق قوبلت بباطل يود فرض وجوده ورأيه على حق لا يختلف عليه اثنان، تلك هي الحياة وتلك هي حقيقتها، صراع دائم بين حق وباطل.