فاطمة بنت محمد.. ريحانة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"

22-4-2026 | 15:13

بداية نستحضر قول الله تعالى: لنعطر به مقالتنا، (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، نعم المودة في القربى، من هؤلاء القربى، هم آل بيت نبينا المعصوم "صلى الله عليه وسلم"، أوصى بهم وبودهم وبوصلهم والدعاء لهم، وذكر مآثرهم وخصالهم ربنا جل وعلا في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وهذا إكرامٌ للنبي "صلى الله عليه وسلم" الذي كان يحبهم وهو القائل في الحديث الصحيح: (...  أُذَكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي، ثلاثًا).

ومن هذا المنطلق والتوجيه القرآني والسنة النبوية فينبغي لنا أن نتدارس سيرتهم؛ لماذا؟ للاهتداء والاقتداء بأخلاقهم وللتعلم من علوهم (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، سيدتنا في هذا المقام، حبيبة رسول الله وريحانته، الزهراء التي كان يشع النور من وجهها وهي خارجة من محرابها، المقربة إلى قلب أبيها التي لقبها بأم أبيها لرعايتها له حق الرعاية؛ حتى وهو في بيت عائشة، التي كلما اشتاق إلى رائحة الجنة اشتم رقبتها رضي الله عنها.

إنها البتول المتبتلة المتعبدة النقية التقية الورعة، الصوامة القوامة التي صدق فيها قول الله تعالى: (وتبتل إليه تبتيلا)، إنها السيدة فاطمة بنت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أصغر بناته من السيدة خديجة "رضي الله عنها وأرضاها".

إنها التي أخبرها النبي "صلى الله عليه وسلم" أنها سيدة نساء الجنة: (سيداتُ نساءِ أهلِ الجنةِ أربعٌ: مريمُ وفاطمةُ، وخديجةُ، وآسيةُ).

ولدت السيدة فاطمة قبل بعثة النبي بخمس سنين، وقيل في إحدى الروايات بسنتين، أمها خديجة بنت خويلد، والدها رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، الابنة الصغرى للنبي "صلى الله عليه وسلم".

نشأت في بيت عائشة، كانت جميلة جدًا استقت جمالها من جمال أبيها "صلى الله عليه وسلم"، وجمال أمها السيدة خديجة، فجمعت بين جنباتها الجمال والحسن والأخلاق، تخلقت بأخلاق النبوة، وتعلمت على يدي أبيها، ومن محاسنها أنها عندما كانت تدخل على مجلس النبي "صلى الله عليه وسلم"، يقوم لها ويجلسها إلى جواره قائلا: "فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي، فمَن أغضَبَها أغضَبَني".

كثر خطابها بعدما اشتد عودها وقوي ساقها، تقدم لخطبتها كبار الصحابة، ويرفض النبي لحاجة في نفسه.

وتذهب سيدة من الأنصار للإمام علي تخبره أن فاطمة يسعى إليها الخطاب فرادى وجماعات، ألا تريد خطبتها، قال نعم لكنني فقير ولا أمتلك شيئًا، قالت له اذهب واستبشر خيرًا، فجاء الإمام علي إلى رسول الله ﷺ لخطبة السيدة فاطمة، فجلس بين يديه ولم ينطق بكلمة من شدة الحياء والهيبة، فبادر النبي ﷺ بسؤاله: «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟»، فسكت علي، فقال النبي ﷺ: «لعلك جئت تخطب فاطمة؟»، فقال: «نعم». فسأله النبي ﷺ: «وهل عندك من شيء (للمهر)؟»، فقال علي: «لا والله يا رسول الله»، فقال له النبي ﷺ: «ما فعلت درعك الحطمية التي أعطيتك إياها يوم كذا وكذا؟»، فقال علي: «هي عندي»، فقال النبي ﷺ: «أعطها إياها». (وفي رواية: «بعها وأتني بثمنها»؛ فباعها لعثمان بن عفان بـ 400 أو 480 درهمًا وجهز بها بيت الزوجية).

وزوجها النبي "صلى الله عليه وسلم" للإمام علي كرم الله وجهه، وكان نتيجة هذا الزواج المبارك، الإمامين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهم جميعًا عترة آل بيت النبي "صلى الله عليه وسلم".

ماذا علمها رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، جاءته يومًا تسأله خادمًا بعدما كثرت عليها مهام منزلها، فدلها على التسبيح، قال: "ألا أَدُلُّكِ على ما هو خيرٌ لك من خادمٍ؟ تُسبِّحين اللهَ ثلاثًا و ثلاثين، وتحمَدين ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّرين أربعًا وثلاثين؛ حين تأخذين مضجعَكِ".
وروت أم المؤمنين عائشة "رضي الله عنها وأرضاها": "لمَّا تغشَّى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الكَرْبُ كان رأسُه في حِجْرِ فاطمةَ فقالت فاطمةُ : واكرباهُ لِكَرْبِك اليومَ يا أبتاهُ فرفَع رأسَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال : ( لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليومِ يا فاطمةُ ) فلمَّا تُوفِّي قالت فاطمةُ : واأبتاهُ أجاب ربًّا دعاهُ واأبتاهُ مِن ربِّه ما أدناهُ واأبتاهُ إلى جنَّةِ الفِرْدَوْسِ مأواهُ واأبتاهُ إلى جِبريلَ أنعاهُ قال أنَسٌ : فلمَّا دفَنَّاه مرَرْتُ بمنزِلِ فاطمةَ فقالت : يا أنَسُ أطابت أنفسُكم أنْ تحثُوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التُّرابَ

ولما توفيت فاطمة، غسلها علي زوجها وكفنها وصلى عليها وحزن حزنًا شديدًا، واقترب من أذنها هامسًا فيهما قائلا، يا فاطمة أنا علي، وذلك من شدة حبه لها، رضى الله عنها وعن زوجها، وعن أبنائها وصلى وسلم على أبيها وأمها.

ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نذكر بعض الأحاديث الصحاح التي رويت عن النبي "صلى الله عليه وسلم" في فضل فاطمة، وقد تحرينا هذه الأحاديث في صحيحي مسلم والبخاري حتى لا نعطي فرصة للدخلاء الكارهين لأنفسهم الناقمين على آل البيت، حتى لا نعطيهم فرصة للطعن عليهم وللتشكيك فى مآثرهم وخصالهم الحسنة. 

أجمعت الأحاديث في صحيح البخاري ومسلم على علوّ منزلة فاطمة الزهراء، سيدة نساء أهل الجنة؛ ويكفيها شرفًا بأن وصفها النبي "صلى الله عليه وسلم" بأنها بضعة مني، ولقبها بـسيدة نساء أهل الجنة، وكانت أحب أهل بيته إليه.
 
سيدة نساء أهل الجنة: في صحيح البخاري ومسلم، أخبر النبي ابنته فاطمة في مرض موته بفضلها قائلًا: «يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء أهل الجنة.

خبرها مع جبريل والتبشير بوفاتها: في صحيح مسلم، أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي أسرّ إلى فاطمة في مرض موته أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وإنه عارضه به في العام مرتين، وأن النبي أخبرها بأنها أول أهله لحوقًا به، فضحكت لذلك لبشارتها بأنها سيدة نساء أهل الجنة.

أليست هذه أحاديث صحاح تدل دلالة قاطعة على مكانة السيدة فاطمة رضي الله عنها، وقد قمنا بشرح الأحاديث في معرض حديثنا إلا أننا آثرنا أن نأتي بنصوص الأحاديث كما وردت عن رواتها.

رضي الله عنكم آل البيت الأطهار الذي صدق فيكم قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)

* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة