نصر منقوص.. واتفاق منتظر!!

22-4-2026 | 10:46

تبدو اللحظة الراهنة في غاية الصعوبة؛ فالوقت يضغط على أطراف حرب الخليج الرابعة، وخاصة على الوسيط الباكستاني، والذي يواجه معضلة الإجابة عن السؤال المراوغ: كيف يمكن الجمع بين طرفين يرى كل منهما أنه خرج بنصرٍ ما على مائدة واحدة، والتوصل لاتفاقٍ يرضي مثل هذين المنتصرين؟ إننا أمام حالة من النصر المنقوص للجانبين، تبحث عن مخرج في اتفاقٍ منتظر يبدو حتى الآن بعيد المنال.

وفي الوقت نفسه ثمة تشاؤم كبير يتلخص في سؤال أصعب يردده العالم: متى سوف تستأنف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ وهل ضيق الوقت يسمح بالتوصل "لاتفاق شامل" ينهي كل القضايا المعقدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

في غضون ذلك، ترفض طهران المشاركة في الجولة الثانية من محادثات السلام، ويعود الرفض إلى "المطالب الأمريكية المفرطة، والتوقعات غير الواقعية، والتغيرات المستمرة في المواقف، والتناقضات المتكررة، واستمرار الحصار البحري"، الذي تعتبره إيران انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار. ويؤكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الرئيس دونالد ترامب يسعى من خلال الحصار وانتهاك وقف إطلاق النار، لتحويل المفاوضات إلى طاولة استسلام أو تبرير تجدد الأعمال العدائية.

وفي المقابل هدد الرئيس ترامب، الثلاثاء، أن إيران ستتفاوض أو تواجه مشكلات "لا سابق لها"، فيما أكد البيت الأبيض الاقتراب من إبرام صفقة جيدة مع إيران. ومما يزيد من تعقيد المشهد الحالي وجود سرديات مختلفة لما نراه، وفقًا للسردية الإيرانية فإن طهران تدافع عن سيادتها، وأن الحصار الأمريكي مرتبط بالسيادة الإيرانية، وطهران لن تفعل أي شيء تحت الحصار، ولقد جربت واشنطن مرارًا محاولة كسر إرادتها تحت الضغط، ولم ينجح ذلك بل توحد الإيرانيون.

وفي الوقت نفسه يقول الخبراء الإيرانيون إن قادة طهران درسوا سلوك ترامب، وأدركوا أنه يتحدث دومًا عن صفقة، ولكن في نهاية المطاف لا توجد مثل هذه الصفقات المكتملة. ويؤكد الخبراء الإيرانيون أن ترامب، في كل المرات السابقة، فشل حتى الآن في تحقيق "اتفاق شامل" ينهي جذور أي نزاع سواء غزة، أو أوكرانيا، أو بقية الأزمات التي تدخل فيها.

ومن وجهة نظر إيران فإن الأمر بدأ بنفس الطريقة المعتادة، واتباعًا لنفس السياسة الأمريكية، حيث تستخدم واشنطن الضغوط القصوى، وبعدها تشن الحرب. ومن ناحية أخرى فإن اللحظة الراهنة تشهد تصورين مختلفين للخروج من هذه الأزمة المستعصية: من جهة واشنطن تقوم بتغيير السردية باستمرار، وتطالب طهران بتقديم العديد من التنازلات أولًا، وبعدها يمكن النظر في وقف الحرب.

وفي المقابل تطالب طهران بوقف الحرب أولًا، ثم التفاوض، وتبادل عمليات التنازلات. ومن وجهة نظر بقية العالم، والذي يتضرر بشدة، فوجهة النظر السائدة هي وقف القتال، ومنع توسع الحرب، والتركيز على أهداف متواضعة، والتوصل لاتفاق إطار يبعد المنطقة عن حافة الهاوية، ويمهد الأرض لتفاهمات طويلة الأمد لقضايا معقدة.

ولعل مما يعزز خيار الحل الدبلوماسي هو تقييم الاستخبارات الأمريكية حول قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة بعد مرور خمسين يومًا على حرب الخليج. ووفقًا لتقرير محدّث، فقد احتفظت إيران بما لا يقل عن 60% من منصات إطلاق صواريخها و40% من طائراتها المسيّرة. وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز هذا الخبر عن مصدر في مجتمع الاستخبارات. وذكر التقرير أن إيران احتفظت بأكثر من 70% من مخزونها الصاروخي، ما يعني أنها أطلقت أقل من 30% من صواريخها، وما زال إنتاجها مستمرًا.

وخلص الخبير العسكري الروسي ألكسندر زيموفسكي إلى أن "الولايات المتحدة أخطأت التقدير جوهريًا، ليس فيما يتعلق باستقرار إيران السياسي بعد اغتيال خامنئي، بل وفي تقدير القدرات العسكرية، التي أعدّتها إيران مسبقًا لحرب طويلة الأمد، ما أدى إلى إفشال خطة إخضاع "طهران في ثلاثة أيام". أن الإمكانات العسكرية الإيرانية تُمكّنها من السيطرة على مضيق هرمز، وبنية جميع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وهذا هو "التحدي الأكبر" للولايات المتحدة.

ووفقًا للخبراء، فقد أثبتت إيران ببراعة قدرتها على الردع الإستراتيجي، ليس عبر الأسلحة النووية، بل من خلال السيطرة على مراكز لوجستية رئيسية في الاقتصاد العالمي. وتستخدم إيران في حربها عاملًا يُضاهي في فاعليته الردع النووي، وذلك لأن السيطرة على مضيق هرمز تعني السيطرة على 20% من إمدادات النفط العالمية؛ ولذا، بحسب الخبراء، إيران اكتسبت "درعًا جيواقتصادية" غير متكافئة لا تتطلب تصعيدًا نوويًا.

ويرى الكثير من الخبراء أن حرب الخليج الرابعة شهدت استنفاد كلا الجانبين؛ فالولايات المتحدة لم تكسر الإرادة الإيرانية، وإيران لم تنهِ الوجود الأمريكي، وهو ما وضعنا أمام حالة نموذجية لـ نصر منقوص لكليهما، حيث استُنفدت قائمة التضحيات التي يستطيعان تقديمها بسهولة نسبية.

وفي الوقت نفسه فإن خطط إيران للسيطرة على مضيق هرمز، وأي تصعيد محتمل، أو حتى استئناف للأعمال العدائية على نفس النطاق السابق، من شأنه أن ينذر بعواقب كارثية فورية. بالنسبة لإيران، يعني هذا تدمير إمداداتها من الطاقة، ما سيعيد البلاد إلى العصر الحجري لسنوات، وقد يكون له أثر مدمر على النظام ووحدة البلاد. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن ذلك يعني تدمير محطات الطاقة وتحلية المياه في دول الخليج، الأمر الذي، علاوة على أنه كارثة إنسانية كبيرة في المنطقة، سيشعل أزمة في منظومة التحالفات الأمريكية، وقد يؤدي إلى سلسلة انهيار خارجة عن السيطرة في الاقتصاد العالمي.

ويرى الخبراء أن هذا الوضع يشكل حافزًا كافيًا لكلا الطرفين للالتزام بوقف إطلاق النار، حتى وإن انتهى رسميًا. وحتى لو جرى استئناف القتال، فسوف يعود سريعًا إلى حالة المأزق الحالي. ومن المرجح أن يفضل كلا الجانبين، قريبًا إن لم يكن الآن، محاكاة الحرب على مستوى أعمال رمزية استعراضية، إطلاق صاروخين يوميًا في اتجاه، وثلاث قنابل في الاتجاه المقابل، مع الحفاظ على الحصار المتبادل.

وفي نهاية المطاف لقد برهنت حرب الخليج الرابعة على نموذج جديد للقوة، فقد أصبح السيطرة على مركز لوجستي عالمي أهم من التفوق العسكري. وإيران لا تحتاج إلى هزيمة جيش العدو، بل تكفيها السيطرة على شرايينه الاقتصادية. والآن، على الولايات المتحدة، وبقية دول العالم أن تجد طريقة للتعامل مع هذه الحقيقة المُلحّة والمُزعجة.

ويبقى في ضوء كل ذلك، أن الأطراف المتورطة في الأزمة ليس أمامها سوى القبول بـ "اتفاق غير مكتمل" كضرورة واقعية، بدلاً من التورط في حرب أخرى لا نهاية لها؛ فبين نصرٍ منقوص لا يحسم الصراع، واتفاقٍ منتظر يخشى الجميع تعثره، تظل المنطقة معلقة على حافة الهاوية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: