ربيع الغضب.. ليالٍ ثقالٌ شيمتُها التقلب

22-4-2026 | 12:56

يوم السبت الماضي، طالعتُ العناوين الرئيسية في صحف الصباح -على هاتفي- ظهرًا، فوجدتُ أنها تعلن بابتهاج عن قيام إيران بفتح مضيق هرمز، وعودته للحياة، وسط ترحيب العالم بالخطوة. بينما؛ في الوقت نفسه؛ في اللحظة؛ جاءتني «العواجل» على مواقع الأخبار لتؤكد إعادة إغلاق المضيق، ثم توالت على مدى اليوم أنباء إطلاق النار على السفن.

بين هذا وذاك، تجدنا متقلبين، كتقلب الطقس في هذا الربيع بين الحرارة صباحًا والبرودة ليلًا، نتقلب بين اقتراب مفاوضات المتحاربين من النجاح إيذانًا بوقف نزيف الدم وتعثرها، وصولًا إلى الفشل بما يعني استمرار دوران عجلة الحرب. ولا أعرف حقًّا -في وقت نشر هذه السطور- كيف سيكون الأمر!

إنها ليالٍ ثقالٌ شيمتها التقلب. والتقلب هنا ليس في مجريات الحرب فحسب، إنما هو -بالنسبة لي بشكل شخصي- في قرار الكتابة عنها.. هل الأمر صعبٌ إلى هذا الحد؟!.. لماذا إذا كان الكل يكتب؟!

الكل.. تلك هي المسألة، المعضلة، الناس، البشر، أصحاب الحيوات المختلفة. كيف يتأثرون بالحرب؟ وكيف ينظرون إليها؟ كيف يتعاملون معها وهم داخل أتونها أو وهم يتابعونها من خارجها؟!

السياسة عندي، صارت محل اهتمامٍ من زاوية واحدة؛ هي تأثيرها في حياة الإنسان والحروب؛ وإن كان الحكام هم من يتخذون قراراتها إلا أن المحكومين هم أكثر من يدفع ثمنها.

لذلك؛ صارت متابعتي تنصب أكثر ليس على المجريات اليومية للحرب إنما على ما يقوله الناس، كلامهم، منطقهم، وجهات نظرهم، دوافعهم في آرائهم، فوجدتُ نفسي إزاء تعرضي للآراء المتباينة حول المسألة أتقلب. أتقلب بين متناقضات متباعدة. أصحابها جميعًا يملكون يقينًا كاملًا. كلٌّ منهم في اتجاه. سلاحهم المشترك هو النفي والإلغاء، التخوين والإقصاء، والتراشق الحاد بالاتهامات.

الأغلبية غاضبة في مواقفها أشد الغضب، على اختلاف الأسباب. الأغلبية منحازة لآرائها أشد الانحياز، على تنافر الآراء. لا شيء في المنتصف، في ربيع الغضب!

ببساطة ووضوح دون تنظير وتلميح؛ أقول: هناك الآن طرفان؛ الأول يرى أن إلقاء ولو حجر على إسرائيل أمرٌ يستدعي الفخر والدعم والتبجيل، وقد فعلت إيران ما هو أكثر بالطبع من ذلك، فقد ألقت الرعب في قلوب مجرمي العصر، وكسرت صلف وغرور قتلة الأطفال المتجبرين. 

والطرف الثاني يعتبر أن حكام إيران الملالي، الديكتاتوريين، قد عاثوا فسادًا وإفسادًا في أكثر من دولة عربية، من العراق إلى لبنان ومن اليمن إلى سوريا، فهدموا وخرَّبوا وساموا الشعوب صنوف العذاب، وها هم الآن بعد أن دارت الدائرة عليهم التفتوا إلى جيرانهم القريبين، بالطائرات المُسيَّرة والنيران.

كلا الطرفين ينحاز إلى وجهة نظر. وكلا الوجهتين يحوز نصيبًا من الصحة. لكن الجانبين في شقاق. لماذا؟! ساءلتُ نفسي. كيف يمكن تفكيك المسألة لإعادة تشكيلها والنظر إليها؟! كيف نفرق بين الخيط الأبيض والخيط الأسود في كل وجهة نظر حتى ينبلج فجر الرؤية السليمة، الهادئة، في هذا الربيع الغاضب؟!

مبدئيًا؛ تساءلت: بالنسبة للفريق الأول؛ مؤيدي إيران في الحرب بشكل مطلق، هل هم من أنصار فكرة الدولة الدينية أو يبهجهم هدم وتخريب دول عربية؟ وبالنسبة للفريق الثاني؛ كارهي نظام الملالي، هل هم محبون لإسرائيل وتسعدهم عربدتها ودمويتها؟

ردًا على السؤالين، وجدتُ أن الأغلبية الكاسحة من الفريقين سوف ترد فورًا بالنفي.. بالقطع لا.. لا مع فكرة الدولة الدينية الديكتاتورية، ولا يمكن -بل يستحيل- اقتران اسم مواطن عربي طبيعي بتأييد إسرائيل. فأين المشكلة؟! ومن أين ينبع الغضب؟!

المشكلة في كلمتين، هما: فكر الجماهير. المشكلة أن الجماهير تنحاز بشكل كامل، ولا تسعى إلى البحث عن رؤية أشمل. كل جانب يمسك طرفًا من الحقيقة بخيط، لكنه خيطٌ واحد، فقط، يتشبث به صاحبه، يشدُّ عليه بيده، دون أن يفتحها -أو يفتح عقله- لمحاولة الإمساك بخيوط أخرى، لفحصها، لعلها تضيف إليه، وتصنع مع ما لديه نسيجًا جديدًا يُغزَل، فيشكل ثوب رؤية شاملة، يستر، ويمكن السير به في طريق المستقبل، دون الوقوف عند حدود اللحظة الراهنة، والتصارع في إطارها، من خلف خيوط وحيدة، واهنة، فتبقى الأمة بذلك كلها عاريةً أبد الدهر، دون استفادة أو درس تخرج بهما، في واحدة من أخطر لحظات مصيرها.

أنت.. أتريد هزيمة أمريكا وإسرائيل في الحرب؟! جميل. نتمنى. فقد أسفرا معًا تجاه منطقتنا منذ زمن عن وجههما القبيح المشترك. نتمنى بالفعل. طبعًا. لكن ماذا عن الغد؟! ألم تسأل نفسك؟!

أنا أخبرك.. سوف تزداد قوة نظام الملالي كشرطي للمنطقة. إنه النظام الذي لا يعبر عن شعبه أصلًا؛ تذكَّرْ؛ الناس، البشر، فلا انتخابات حقيقية، ولا حرية، والموارد المالية الضخمة التي وُجهت عبر سنين للتسليح لا تكفي احتياجات المواطن الأساسية، حتى إن طهران، عاصمة الدولة الكبرى، كانت تغرق قبل الحرب نتيجة الانقطاع الدائم للمياه في غياهب العطش!

وهل تضمن؟!.. هل تضمن أن يكون البرنامج النووي والصاروخي الإيراني العتيد إضافة إلى موازين القوة العربية؟! يبدو السؤال مثيرًا للسخرية عند من يعرف!.. فأسلحة نظام الملالي كثيرًا ما قتلت مواطنين عربًا، وكثيرًا ما تسللت إلى عملاء في أكثر من دولة لتغذي حروبًا بالوكالة، خرَّبتْ وهدمت، وضمنت لحكام إيران بسط النفوذ والسيطرة، دون أن تتصدى بشجاعة ومواجهة لتنقذ غزة مثلًا عندما كان يتم إبادة شعبها.

وأنت على الجانب الآخر.. لعلك تظن أن هزيمة إيران في الحرب هي الحل، وهي ما سيقضي على الشر! ما أسخفك! ألا تنظر إلا تحت قدميْك؟! ألم تفكر فيما سيحدث من بعد؟!

أنا أخبرك.. سوف تتجبر إسرائيل أكثر. وستبدأ في البحث عن عدو آخر. فقد صارت تدرك أنه لا تطبيع حقيقيًّا يمكن أن تجده في المنطقة بأسرها. تذكَّرْ؛ عن الشعوب أتحدث. لذا فلا بد لها دومًا من صناعة عدو تخوض الحرب معه، بحجة ومظلومية الإرهاب المزعوم ضدها، كي تعمل على إسقاط الدول الكبرى، لضمان السيادة والسيطرة، واستمرار دولاب العمل في مصانع الأسلحة لدى سيد العالم.. فمَن يكون التالي بعد إيران؟! على مَن يحل الدور؟! أرأيتَ؟! أسألتَ؟! أم نظرتَ فقط - كغيرك - تحت قدميك؟!

في الحرب؛ بالنسبة للجماهير؛ الكل مقاتلٌ من خلف الشاشات بسلاح الـ«كيبورد»! لكن الحقيقة أننا جميعًا خاسرون، طالما بقينا بلا وعي، بلا رؤية، بلا مشروع لبناء الحياة، وليس السعي إلى الموت، بلا اهتمام بالإنسان، سواء كان في بيروت أو طهران، في القاهرة أو الرياض أو دمشق!

فلتتوقف الحرب.. فلتتوقف بأي شكل.. لنبدأ بعدها التفكير بهدوء، واستحضار الدروس، لعلنا نفهم، ونعي أن قوة الدولة؛ أي دولة، لا تُبنى إلا على قاعدة شعبها، عندما يُسمح له بالالتحام بسياستها، فتكون هذه نابعةً منه وباختياره، عندما يثق أن قرار السياسة له لا عليه. لا دولة ديكتاتورية قوية مهما طال بها الزمن. معيار قوة الدول هو جودة حياة وحرية البشر، عبر التنمية والاقتصاد والتكنولوجيا والفن.

أساس القوة هو بناء حضارة، وعندئذ فقط -وليس قبله أبدًا- يمكن البدء في السعي إلى تحرير الأرض، بالنفوذ والتأثير والتفاوض، والسلاح أيضًا بالطبع.. نتمنى على نخبتنا العربية المنكوبة أن تفكر بجدية في الأمر، بعيدًا عن الشعارات والتخوين والتحزب، كي لا تظل كل الليالي ثقالًا، ولا يبقى الربيع دومًا ربيعًا للغضب!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: